الخبر على مدار الساعة

” ديك النّزيه” ومصطفى خزندار ونعم الأمانة

0 72

” ديك النّزيه” ومصطفى خزندار ونعم الأمانة

 

حين قرأت هذه القصّة الغريبة في صحيفة انجليزيّة، تبادر إلى ذهني

وبصفة آليّة ما حدث مع الوزير الأكبر مصطفى خزندار

في تونس في المنتصف الثّاني من القرن الثامن عشر

الأمر الذي خوّل لفرنسا حينها الاستحواذ على البلاد

 

انطلاقا من منتصف القرن التّاسع عشر، عُيّن “دجايمس  ويليام تايت” مساعدا لوزير الخارجيّة لولاية كانتسكي الأمريكيّة ثمّ كاتبا مساعدا لمجلس النوّاب المحلّي ليكون أمينا  لصندوق الولاية -الخزانة- طيلة عشرين سنة متتالية (1888-1867 ).

لُقّب بـ “ديك النّزيه” لحسن سمعته و تعامله مع زملائه. تحوّلت هذه الكنية إلى لقب مثير للسخرية  حين اختفى تايت سنة 1888 واختفى أيضا  من خزينة الولاية ما يناهز ربع مليون دولار. ولم يُعثر عليه أبدا منذ ذلك اليوم.

خلال سنة 1878، تمّ ادراج اسم تايت في موسوعة السّير الذّاتيّة لولاية كانتسكي والتأكيد على أنّه “ساهم بصفة ملموسة في  وبفضل شعبيّته في النجاح  العظيم الذي حقّقه الحزب الدّيمقراطي”.و في خضم السّباق الانتخابي على منصب الوالي سنة 1887، أثار المنافس الجمهوري مسألة ضرورة النّظر في وضعيّة الخزينة. لكن حتّى وإن خسر المرشّح الجمهوري السّباق، ترسّخت فكرة مراجعة سجلاّت أمين الخزانة وشرعت الجمعيّة العامّة في القيام بها. حينها طلب  تايت مهلة من الوقت لإعداد  ملفّاته وتبعا لذلك تأجّل تكوين اللجنة. وفي مطلع 1888، اتّبع تايت نمطا سلوكيا يبعث على التشكيك وعلى سمعة مغايرة للّتي عُرف بها. وفي 14 مارس 1888، لاحظ أحد مساعديه  أنّه قام بملئ أكياس معدّة للتبغ بعملات من الذّهب والفضّة، حدّدت قيمتها لاحقا بحوالي 100ألف دولار. ترك يومها رسالة يقول فيها إنّه سيعود بعد يومين. ونظرا إلى طبيعة وظيفته، وما كان ينعم به من سمعة طيّبة ومصداقيّة، لم ير أحد أفعاله موضع شكّ. لكن وبعد مضي أسبوع، بات الأمر واضحا. اختفى “ديك النّزيه” تاركا زوجة وابنة وراءه. وتلا عزلُه من منصبه -غيابيّا- توجيه اتهام ضدّه. وأصبح مصطلح “التاتيّة” مرادفا للفساد السّياسي في الدّولة.

وتبعا لذلك، تمّ الاستشهاد مرارا بهذه السّرقة أثناء المؤتمر الدّستوري الرّابع في كانتسكي ليكون سببا لفرض حد زمني للولاية . وأصبحت  إعادة انتخاب المسؤولين صالحة لفترة واحدة. ولا يزال  هذا الاجراء ساريا إلى اليوم وإن تمّ تنقيح  دستور ولاية كانتسكي في 1992 لتمكين الوالي أو الحاكم ونائبه من العمل لفترتين متتاليتين .  بالرّغم من تقديم مكافأة لمن يدلّ على مكان تايت، لم ترد أخبار عن مكانه ما عدا اعتراف ابنته وبعض أصدقائه بتلقّي رسائل منه متأتّية من كندا واليابان والصّين والبرازيل حيث يقال إنه توفّي فيها.

أمّا مصطفى خزندار فلن نعيد سرد الأحداث  بالرّغم من تزامنها مع الحكاية الأولى. هي حقّ جزء هام من تاريخنا. فقط ، نتبيّن مرارا أنّ الرّجل جمع بين منصب وزير الماليّة ومنصب الوزير الأكبر وأنّه فرض على الباي وعلى البلاد سياسة  ماليّة مُزرية تتضمّن فرض ضرائب ثقيلة جدّا وسلسلة من القروض المحفوفة بالمخاطر مع فرنسا استنادا وتواطؤا مع إيميل دي ارلانجي وغيره من المصرفيّين الأوروبيين. لم يكن للبلاد التونسيّة أي نشاط في مجال الاقتراض من الخارج إلى حدود 1863. لكن في ذلك الظرف تحديدا قام بنك ارلانجي الفرنسي بعمليّة لم يسبق لها مثيل وتحت إشراف الوزير خازندار، تمّ منح الدولة التونسية قرضين في 1863 و 1865.

وعلى عكس الوزيرين ابن أبي الضّياف وخير الدّين باشا والجنرال حسين والبعض من أقاربه الذين ابتعدوا عنه باعتباره صاحب النّفوذ المطلق، فإنّ آخرون تقرّبوا من خزندار على غرار مدير الخزينة اليهودي نسيم شمامة و رجل الاعمال محمود بن عيّاد والقضيّة التي علقت به من 1857 إلى 1876 والمتعلّقة باختلاس الأموال العامّة . هي قضيّة تفضح سوء إدارة الإيرادات العامة التي كان يمارسها وزراء فاسدون ومقرّبون من السّلطة. وهو ما أدّى حتما إلى إفلاس الدّولة  وإلى التبعيّة الماليّة إلى أروبا فكانت أبرز أسباب انتصاب الحماية الفرنسيّة.

التّشابه كبير بين الرّجلين ما عدا أنّ الأمريكي اختلس مبلغا متواضعا من خزينة احدى الولايات الأمريكيّة  و تمّ استرداد المبالغ المختلسة. و حُكم تايت غيابيّا واختفى ومات وحيدا غريبا. أمّا الوزير التونسي  خازندار، فقد رمى بالبلاد وحكّامها وشعبها المسكين في أحضان الاستعمار والنّهب والخراب. بل وعلى عكس ذلك،  لم يُحاكم  ولم يهرب و تمّ دفنه معزّزا مكرّما  في تربة البايات. ومن يعلم؟ لعلّ بن علي  المخلوع يعود يوما ويُدفن في روض خاصّ به بالرّغم من الدّعاوي المرفوعة ضدّه بتهمة اختلاس المال العام والاصول المنهوبة ….

التاريخ يُعيد نفسه أحيانا في عديد البلدان وفي البلد الواحد وفي نفس العصر وفي عصور مختلفة. نقرأ ونتابع ونحن نعتبر. وكما قال أحد الجهلة “حديثنا اليوم مثل حديث أمس والله أعلم”.

تعليقات
Loading...