الخبر على مدار الساعة

للتاريخ “قصة” طريحة الصعلوك علي شورب في بنزرت

0 11٬586

علي شورب الذي صار بطلا من طرف لطفي العبدلي هو في الحقیقة صعلوك و مبتز وسكیر وعاطل عن العمل وكان یتسول لدى نساء عاهرات دار الدعارة حومة الجراب قرب اوتیل العیاشي باب سویقة عامة الناس كانت تهابه همجي ومتعجرف وهو ما یسمى الآن بالمریض النفسي.

كانت الأجواء السياسية والأمنية في تونس خلال منتصف ستينات القرن الماضي مشحونة بسبب تداعيات حرب بنزرت، زادها شحنا اغتيال صالح بن يوسف بجنيف في أوت 1961 واستمرار حملات لجان الرعاية في ملاحقة اليوسوفيين منذ فيفري1955 دون توقف، ثمّ ما لبثت ”المحاولة الانقلابية لسنة 1962” أن رفعت الاحتقان إلى مستوى الذروة من التشنج في عموم البلاد.

لم تكن بنزرت قد فرغت على إثر المعركة من دفن شهداءها، حتى اُعيد نصب الأسلاك الشائكة مجددا من حولها، وقد كانت فرنسا اُجبرت بفعل المظاهرات الشعبية الشبه يومية خلال صائفة 1961،على رفعها.

حُصرتْ المدينة مجدداً وضُرب حول أحيائها العربية، ذات الأسلاك الشائكة، لكن هذه المرة بأيادي تونسية، فاسحة المجال لرجال سلامة أمن الدولة ليشنوا حملات المداهمة اليومية على البيوت الآمنة لاعتقال العشرات من الرجال والنساء ممن يشتبه في تورّطهم في ”المؤامرة”.

في تلك الأجواء تحديدا، وبغاية اصطناع مشاغل إعلامية تلهي التونسيين عن الخوض في تقييم نتائج المعركة، والبحث عن من يتحمّل مسؤولية تلك الخسائر العسكرية والبشرية المرعبة، ومعلوم أن القيادة السياسية كانت وحدها بقرارات فردية، تديرها بنفسها، وتجبر القيادة العسكرية على خوضها بالإكراه.

كان إلهاء الشارع قد اُوكل إلى لجان الدعاية كما إلى لجان الرعاية في حزب الدستور، لشن حملات تجريح في حق بنزرت وأهلها تخدش أعراضهم وتسيء لوطنيتهم، وتختلق من القصص والروايات ما يروق الذائقة الشعبية الهابطة، ليجعلها على كل لسان، فيقطع تواترها بيقين حدوثها، كانت أعطيت التعليمات بعد أن كفّ بورقيبة عن إشاداته العديدة والموثّقة منذ الثلاثينات، بوطنية أبناء بنزرت ورجالها، واصفا إياهم في غير ما مناسبة، بيمين الحزب الضاربة في تونس ضد الإستعمار الفرنسي.

في منتصف تلك الستينات اصطحب جمهور الترجي الرياضي ”علي شورّب” معه إلى بنزرت لتشجيع فريقه خلال مقابلة رسمية ضد النادي الرياضي البنزرتي، وكانت الحملة الإعلامية الحزبية المغرضة ضد أهالي بنزرت لا تزال ”شغّالة” تحت إدارة تلكم اللجان البائسة وكان جمهور الترجي أو بعضه قد وُظّف، من حيث يدري أو لا يدري، في هذه المعركة ليَنقل تلك الحملات المغرِضة إلى المدارج الرياضية بشعارات تقذف بشرف أهل المدينة وتقدح في وطنيتهم وكان ذلك كافيا لتتحوّل المقابلة الرياضية إلى معركة في شوارع المدينة بين أبناء الترجي و أبناء البنزرتي.
كانت تلك واحدة من المناسبات، كما يُروى، التي جيء بـ”علي شورّب” من باب سويقة إلى بنزرت، ليُخوّف به جمهور النادي الرياضي البنزرتي وكبشًا للنطح إن لزم الأمر، لكنّه لم يَجد من بين جمهور النادي الرياضي البنزرتي من يهابه، وحين تحوّلت المقابلة الرياضية، إلى الشارع لتصفية الحساب، تحوّل”رجُل الترجي” من علي شورّب إلى ”عليّ شوالق” بين يدي ”بَلبَالَة” (امحمد بن منصورالبجاوي) الذي أشبعه ضربا ثم ”تَبَامِيّة” (الهادي الهذلي) الذي مرّغ بأنفه التراب وصنع له نجوما يراها في عزّ الظهيرة.

الذين يرغبون في أن يصنعوا لأبنائنا ”نجوما من الرداءة” كان عليهم أن ينبشوا جيّدا في ذاكرتنا الوطنية ليجدوا رجالا وطنيين ينتمون إلى ذات الطبقة الهامشية التي ينتمي إليها علي شورّب، لكنهم كانوا أكثر نخوة وصنعوا بطولات تتناقلها الألسن في المجالس وتحفظها صدور الرجال و النساء، فقد صوّبوا مسارهم وخرجوا من هامشيتهم لينهضوا بواجب تحرير وطنهم ووضعوا قوتهم و سطوتهم في خدمة قضية بلادها ضد المستعمِـر.

قليل من يعلم أن ”تبامية” و”بلبالة” مناضلين وطنيين من أبناء بنزرت ينحدران بدورهما من ذات الطبقة الهامشية للمجتمع التونسي، ويوم دعاهما نداء الواجب، لم يترددا في ترك انحرافهما لينخرطا في الحركة التحريرية ويذلا ما بذلا قدر ما استطاعا من جهد، وحُوكما لذلك الجهد الوطني مثل كثير من رفاقهما بالسجن لسنوات عدّة، وكانا من أشهر شخصيات السجون التونسية بمشاكساتهما لأعوان السجن، وكانا لهما مشاركة بارزة في محاولة الفرار الجماعي التي رتب لها الوطنيون من سجن المدني بتونس(9 أفريل)، ”قيل أنهما خلعاَ الباب الحديدي لإحدى أجنحة السجن”.

من يعلم أن علي السعدي (من مواليد سنة 1922 توفي في 13 ماي 2018) رفع، في ميناء مدينة بنزرت مع رفاق له سيارة الكوميسار الفرنسي، وألقوا بها من الرصيف إلى البحر، احتجاجا على تعرضه لجمهور المتظاهرين من أهالي المدينة، إثر دخول باخرة انكليزية، الميناء رافعة علم الكيان الصهيوني في ماي سنة 1950، فحوكم لسنوات بالسجن ثم أبعد إلى ماطر.

من يرغب إذن بعد هذا، أن يُقنعنا أن خزّان البطولة الوطنية قد نضب من تاريخنا ومن ذاكرتنا الجماعية، لنستدعي إلى الدراما التونسية من ذاكرتنا الشعبية الرديئة رجلا لم يكن له على تونس فضل ولا كان له في رقاب التونسيين دين يُسدّدونه، فنصنع منه نجما من ورق، بينما أبطالنا الذي أروا الفرنسيين، نجوما في عزّ الظهر، لا يُرثيهم أدب ولا تأبّنُهم خطبٌ ولا يَنبُش دفاتر بطولاتهم فنٌ ولا تُدوِّن سيرَهم رواية وإنّما تُطوى عليهم صحائف النسيان، لتخلو الأضواء لنجوم الرداءة.

بقلم: فوزي الصدقاوي

تعليقات
Loading...

Fatal error: Uncaught Error: Class 'Redis' not found in /home/admin/web/t24.tn/public_html/wp-content/plugins/w3-total-cache/Cache_Redis.php:332 Stack trace: #0 /home/admin/web/t24.tn/public_html/wp-content/plugins/w3-total-cache/Cache_Redis.php(82): W3TC\Cache_Redis->_get_accessor('w3tc_t24.tn_0_m...') #1 /home/admin/web/t24.tn/public_html/wp-content/plugins/w3-total-cache/Cache_Base.php(96): W3TC\Cache_Redis->get_with_old('61aa2.css.custo...', '') #2 /home/admin/web/t24.tn/public_html/wp-content/plugins/w3-total-cache/lib/Minify/Minify/Cache/W3TCDerived.php(106): W3TC\Cache_Base->get('61aa2.css.custo...') #3 /home/admin/web/t24.tn/public_html/wp-content/plugins/w3-total-cache/Minify_MinifiedFileRequestHandler.php(952): Minify_Cache_W3TCDerived->fetch('61aa2.css.custo...') #4 /home/admin/web/t24.tn/public_html/wp-content/plugins/w3-total-cache/Minify_MinifiedFileRequestHandler.php(306): W3TC\Minify_MinifiedFileRequestHandler->_cache_get('61aa2.css.custo...') #5 /home/admin/web/t24.tn/public_html/wp-content/plugins/w3-tot in /home/admin/web/t24.tn/public_html/wp-content/plugins/w3-total-cache/Cache_Redis.php on line 332