الخبر على مدار الساعة

سعاد عبد الرحيم شيخ بلدية تونس.. الوجه الجديد للمرأة التونسية الفاعلة

0 50
فازت مرشحة حزب حركة النهضة سعاد عبد الرحيم برئاسة أعرق مجلس بلدي في الجمهورية التونسية، وهو “مشيخة الحاضرة”، التي بقيت منذ تأسيسها حكرا على علية القوم وأعيانهم من خاصة السكان في العاصمة تونس
 
وكانت السدة عبد الرحيم قد حصلت على أعلى الأصوات في الإنتخابات البلدية، لكنها اضطرت لخوض مفاوضات شاقة وطور آخر من التصويت، بحكم القانون الإنتخابي الشائك الذي لا يمنح الرئاسة لمن يرأس القائمة الفائزة في في التصويت، كما هو الشأن في معظم الدول، بل عبر اقتراع لأعضاء المجلس البلدي الذين أفرزتهم الإنتخابات. مما يعني أن السيدة عبد الرحيم قد فازت في الإنتخابات الشعبية العامة، عبر الإقتراع المباشر، وفي الاقتراع غير المباشر لممثلي الشعب في المجلس البلدي أيضا.
 
تيّار نسوي جديد
 
يرى الباحث في الحضارة الإسلامية د. سامي براهم أن تيّارا نسويا جديدا بدأ بالتشكل في تونس، نابع من داخل حزب النهضة الإسلامي، وهو يحظى بدعم شعبي كونه يمثّل الإرادة الشعبية النسوية الحقيقية، الهادفة إلى تمكين المرأة فعليا من الارتقاء في المناصب السياسية بناء على آليات ديمقراطية تعكس الرأي العام، مقابل تيار سابق عبّر عنه براهم بعبارة “أسماك الزينة”، الذي قدمته ماكينة السلطة الديكتاتورية السابقة كوجه تجميلي لسياستها، و يعتمد اعتمادا كليا في وجوده و ارتقاء الناشطات فيه على القرب اللصيق من السلطة والأطراف الحاكمة كي يستمر في النشاط.
 
لم تفلح الثورة في اجتثاث عقلية الاتكال على سدّة الحكم فور وقوعها، نظرا لكون التغييرات الاجتماعية والديمغرافية لا تتم بصورة سريعة أو آنية، ولا تحدث من تلقاء نفسها أو عشوائيا، بل تتطلب آليات ومنظومات تعمل على زحزحة تراكمات عقود من الوعي المجتمعي المنغلق والمتكلّس.
 
لكن وفّرت الثورة الفرصة والمجال لإدخال هذه التغييرات العميقة إلى صلب المجتمع التونسي، عبر إتاحة الفرصة للأحزاب، مثل حركة النهضة، لتقديم مثال مغاير للنسوية الصورية المهمشة الوصولية: نسوية تبني المجتمعات وتؤسس لمصعد سياسي ينطلق من القاعدة وهي الحكم المحلي، وصولا إلى أعلى المراكز القيادية.
 
تغيير اجتماعي
 
وضع ترشيح سعاد عبد الرحيم أولا كرئيسة قائمة لحركة النهضة وفوزها بعد ذلك بمنصب رئيس البلدية، الأحزاب والنخبة السياسية أمام اختبار صعب، فقد أتاح للمبادئ والشعارات الحزبية أن تكون على المحك، وأن تمحص الشعارات الحداثية المشروخة على أرض الواقع.
 
أثبت الاختبار وجود عقلية الفرز الإيديولوجي التي عكستها تصريحات بعض المتنافسين، الذين حاولوا إقصاء سعاد عبد الرحيم لانتمائها لحزب النهضة، والفرز الجهوي، الذي حاول حزب نداء تونس ان يستغله حجة لعرقلة عبد الرحيم من تولي منصب شيخ المدينة، على اعتبار أن خروج المنصب من الدائرة الضيقة للأعيان يشكل “خطرا” على المصالح المتشابكة للنخبة الحاكمة.
 
لذا يقدم ترشح سعاد عبد الرحيم، القادمة من المطوية، في الجنوب التونسي جدل كبير، صورة عن التركيبة المجتمعية في تونس، التي لا تزال تتأسس على عقلية الفرز بجميع أنماطه، حسب ما يراه الباحث في الحضارة الإسلامية د. سامي براهم، الذي أكد في نفس الوقت أن هذه الانتخابات بما فرزته من تناقضات وصراعات، هي محطة جديدة في تاريخ تونس، وأول اختبار لتقليص المركزية والتفاوت الجهوي، وأن النجاح في هذا الاختبار معناه ان مستقبل تونس تنمويا واقتصاديا واجتماعيا يسير على الطريق الصحيح.
 
رغم المحاولات العديدة للالتفاف على الثورة وتهميش مكتسباتها وإنجازاتها، إلا أن المحطات المتتالية وآخرها الانتخابات المحلية وارتفاع نسبة النساء المشاركات وتوزعهن على كل الجهات، وصعود ما يزيد عن 60 امرأة كرؤساء بلديات، أكثر من 40 مرشحات عن حركة النهضة، يعكس بداية أفول الصورة النمطية للنسوية التي سوقتها النخب النافذة التي اتخذت من المرأة وجها ترويجيا للسلطة الحاكمة لاكتساب مظهر من الحداثة والتطور، دون اكتراث حقيقي بتفعيل دور المرأة والإرتقاء بأوضاعها على أرض الواقع.
 
أي أننا نبتعد شيئا فشيئا من نسوية الشعارات المتعالية على المجتمع إلى نسوية فعالة أكثر تمثيلا لتركيبته واحتراما لثقافته والتصاقا بهمومه، وهذا أيضا من منجزات الثورة التونسية التي كسرت احتكار النخب القديمة وأتاحت للمجتمع أن يسمع صونه عاليا.
تعليقات
Loading...