أبويعرب المرزوقي :قيس سعيّد مكلف بمهمة "لبننة تونس"

أبويعرب المرزوقي :قيس سعيّد مكلف بمهمة "لبننة تونس"

كلما حدقت في المطالبين بحكومة الكفاءات وجدتهم أقل الناس كفاءة. وهذا أمر يبدو شديد المعقولية: فهو قد يفيد بأن أصحاب هذه الدعوة يعترفون بأنهم ليسوا من ينبغي أن يسوس البلاد بل هم يريدون ترك الأمر لأهله.

فيكون أصحاب هذه الدعوة من ناكري الذات ورافضي الانانية لأنهم يطلبون أن يُعهد بالامر لأهله. وهم أذن ناصحون للجماعة وليسوا طامعين في "الغنيمة" التي صارت من صفات جماعة معينة لم تغنم شيئا في كل تاريخ أقطار الاقليم لأنهم صاروا "الانتوشابل" فيه محليا واقليميا ودوليا.

ومن ثم فتعريف الكفاءات بلغة هؤلاء الناصحين وهم من صنفين - جماعة الاتحادين وجماعة الحزيبين - ولهم رئيس هو رمز الكفاءة التي أتت بما ليس له سلف ولن يكون له خلف لفرط ما عرف به من عبقرية في تأويل القانون وفهم الإسلام وخاصة في النضال السياسي.

هذا المخمس السعيد هو الذي يدعو لحكومة الكفاءات. لن أحسب بينهم من يعينه رئيس الكفاءات لأنه مغلوب على امره. كان من حظه أن له علاقة تبعية وجودية بمن عُيِّن ليُعيِّن وخاصة بعد أن أرضى سيده وكب على كتفيه وانضم إلى صفه في حربه على محاولات المسلمين استئناف دورهم وتحرير اقطارهم من "الحماية" التي تختلف عن الاستعمار والاحتلال.

والسؤال هو ما الذي جعل الأطراف التالية بالصفات المخربة لكل شروط قيام الدولة؟

1-اتحاد العمال الذي خرب الاقتصاد الوطني بإفساد وظيفة العمل والذي لا تحرمه المافيات من حصته في نهب البلاد بالبطالة الخفية التي هي معنى توظيف ما يزيد عن حاجة المؤسسات بالمعيار الاقتصادي المحافظ على مؤسسات الانتاج والخدمات.

2-اتحاد أرباب الأعمال الذي خرب الاقتصاد بإفساد وظيفة ربوبية الأعمال ووظيفة المبادرة وهو مؤلف من مافيات هي ما يسمى بالدولة العميقة وهي في علاقة مباشرة بممثلي الاستعمار الفرنسي الذي يسيطر على كل ثروات تونس وسياستها الاقتصادية والثقافية والتربوية.

3-حزب البراميل ومعه اليسار الذين لهم سلطان مباشر على اتحاد العمال وولاؤهم يتقاسمه توابع الملالي وتوابع فرنسا في آن ومن ثم فهم حلفاء الثورة المضادة العربية بصنفيها والتي تمول تدخلات الملالي وفرنسا في كل بلاد العرب وخاصة منذ الثورة إلى اليوم.

4-حزب البسلكلات ومعه حزب فرنسا من بقايا التجمع والنداء ولهم سلطان مباشر على اجهزة الدولة امنا وجيشا وإدارة وهم من وجد في استعمال من تقدم اي 1 و2 و3 أو في العمل مع المافيات التي تحكم تونس منذ مرحلة ضعف النظام البورقيبي وخاصة منذ تغول نظام ابن علي.

5-وكل هؤلاء وجدوا في تصعيد سعيد والسماح له بما يفعل أداة لأنهم يعتبرونه مرحلة مؤقتة تماما كما فعلوا مع السبسي للانقلاب عليه بعد أن يكون قد مهد لهم الطريق بتحقيق هدفيهما وهدفي الثورة المضادة في الأقليم ومن يستعملها من أعداء نهوض الأمة:

1-الأول هو تحقيق ما عجز دونه السبسي أي استئصال الاسلام السياسي ولو بالطريقة المصرية.

2-الثاني هو تحقيق ما عجزت دونه الثورة المضادة أي الغاء رمزية المركز الصامد في تحقيق بدايات الانتقال الديموقراطي في الاقليم.

ولهذه العلة فالمعركة لم تعد معركة الانتقال الديموقراطي في تونس ولا معركة الاسلام السياسي فيها بل هي معركة حاولتُ من البداية تعريفها بكونها معركة الجمع بين التحرر (مطالب الثورة) وشرط شروطها أي استكمال ثورة التحرير. وهو ما يعني أن المعركة أعادت الامة إلى الحركة الوطنية الأولى التي شرعت في حرب التحرير شرطا لحرب التحرر. فإذا عجزنا دون فهم ضرورة الجمع بين المعركتين فعلينا أن نعترف بأننا مقصرون مرتين:

1-أولا في فهم علة البعد الإقليمي لمعركة التحرر في بلدان الاقليم كلها وليس في تونس وحدها:

أي إن المعركة لا تقف عند الحدود التي فرضها الاستعمار منذ استضعاف المسلمين وذلك حتى قبل سقوط الخلافة الأخيرة. وتجاوز هذا الحدود حصل مرتين:

*-رمزيا من قبل الثورة التي انتشرت فيه انتشار النار في الهشيم فتجاوزت حدود سايكس بيكو *

-وماديا من قبل الثورة المضادة التي صارت حربا أهلية مسلحة في جل بلاد الربيع فتجاوزت حدود سايكس بيكو.

2-ثانيا في فهم علة البعد الدولي للحائل دون التحرر أعني عدم استكمال التحرير. فالاستعمار غير المباشر أشد وأمر من الاستعمار المباشر الذي أوهم الكثير أن بلداننا في الأقليم استقلت وهي في الحقيقة صارت أشد تبعية مما كانت عليه في الاستعمار المباشر لأن كلفته أقل ولأن من يحكم بدلا منه هم عملاؤه من الصبايحية والحركيين.

*-والمعركة الحالية في تونس هي الوعي الرمزي لفهم العلة. فشباب تونس هم أول من نادى باستكمال التحرير وإزاحة فرنسا من السيطرة على اقتصاد تونس وثقافتها ومن ثم على سياستها.

ولعل الرمز هو ثورة البترول والكامور أي إن ثورة الجنوب التونسي هي الرديف الأبعد غورا من ثورة الوسط التونسي. *-ومن ثم فالسند الذي تحصل عليه الثورة المضادة من قبل القوى الاستعمارية ليس لوجه الله بل لأن فرنسا وإيران وروسيا وإسرائيل بإطلاق ونسبيا أمريكا جميعهم لم يعودوا يرون القضية محلية ولا حتى اقليمية بل هي عندهم قضية دولية تهم نظام العالم الجديد وصلته بمحاولات المسلمين استئناف دورهم في التاريخ الكوني.

وبهذا المعنى فإن الكلام على حكومة تكنوقراط وكفاءات يعني في الغالب من يكون معيار اختيارهم القبول باحدى هذين الرؤيتين:

*-هم ممن ترضى عنهم هذه القوى الخمسة بمعنى كل من يتصف بالعمالة لواحدة منها ولا ترفضه الباقية لأنه عميل مزدوج ومتعدد الازدواج فيكون في آن في خدمة الغالب من هذه القوى الخمسة في إدارة دفة السياسة في بلاده

*-أوفي حالة عدم وجودهم - وهم متوفرون - أو للتمويه هم من الإداريين الذين يمكن أن يعتبروا عبيد من بيده السلطة ايا كان لأن وظيفة الإداري في الدول الحديثة هي تطبيق التعليمات والمساعدة على التلاعب بالقانون.

*-وليس للإداري كفاءة أخرى: هم أشبه في الفعل السياسي إداريا بفقهاء السلطان تبريريا. هؤلاء يطوعون الشرع وأولئك الضرع (ضرع الدولة لتبرير سرقات المافيات التي هي حرابة لأنها سرقة مسلحة بقوة الدولة).

ومرة أخرى أعود إلى ابن خلدون: فقد ذكر في كلامه على الحرابة بأنها غير ممكنة من دون تواطؤ ما من السلطة السياسية إما بالتقصير في وظيفة الأمن أو بالمشاركة فيها وتقاسم المغنم مع المحاربين. وبذلك يتبين أن هذه أيضا لم تفته. ونحن في تونس جربنا كذبة الكفاءات مرتين بعد الثورة: بعد اسقاط الترويكا وقبل الانتخابات الاولى 1-والاولى كانت في حكم السبسي الأول واتيانه بأفسد كفاءات كلهم صاروا قيادات حزبية بعد الانتخابات ورأينا كفاءتهم التي لا يشق لها غبار لأنها لم تخلف غير الغبار. 2-والثانية "كملت على مرمة تونس" فاستأنفت الاتفاقيات التي تمكن فرنسا من مواصلة السيطرة على ثورات تونس لأن الكفاءات كانوا من موظفي توتال الفرنسية وأصبح لهم حزب "يفوت بعبوسه نهار الريح" لما تقدم للناخبين. ولما جرب المرحوم السبسي تحقيق التوازن مع حزب الإسلاميين ولجاطأ إلى اليسار والقوميين وكل من هب ودب من فضلات حزب الشابي والمرزوقي وابن جعفر حصل أمر عجب: لم يكون حزب بل كون كوكتال مولوتوف تفرقع في وجهه. وهؤلاء "الغبار" الحزبي هم من ينوون ركوب حمق قرطاج لتحقيق ما فشل فيه ابن علي وبورقيبة وبعدهما السبسي توهما أن المناخ الاقليمي والدولي يمكن أن يمدهم بالفرصة لاستعماله ثم ازاحته واعادة عقارب الساعة كما يشتهون: يحسبون وحدهم ولن يفضل لهم. ما يمكن أن يحصل وقد سميته "لبننة" تونس لا حاجة لانتظار حصوله لمعرفة النتيجة. لبنان أمامكم: ما كان يعتبر فترينة الحداثة العربية صار مزبلة إيران وفرنسا والرمز حزب بقايا الباطنية وحزب بقايا الصليبة فيها. لكن ما سيقع بإذن الله وعونه هو ما سيتحدد في معركة ليبيا وسوريا والابيض المتوسط: فهي المعركة التي ستمكن الأمة من استئناف تاريخها الكوني لأن هزيمة الثورة المضادة العربية بفرعيها التابع لإسرائيل والتابع لإيران وحماتهما أي روسيا وفرنسا خاصة وأداتهما أي مصر واليونان هي التي ستحسم الأمر في الأقليم كله وفي تونس التي تحقق فيها شرط الجمع بين الثورتين: *-ثورة التحرر التي بدأت في سيدي بوزيد *-استئناف ثورة التحرير التي بدأت في تطاوين. والاولى في الوسط وعلى الحدود التونسية الجزائرية والثانية في الجنوب وعلى الحدود التونسية الليبية. والمحادتان علامتان على تجاوز الحدود وليس على بقائها: الثورة اليوم تونسية جزائرية ليبية. وهي من ثم بالحجم الذي يجعلها معبرة عن الأقليم كله بكل شعوبه دون اعتبار للفروق الاثنية لأن التاريخ واحد والثقافة واحدة والمصير واحد والعدو واحد: وإذن فكل شروط العمل المشترك بين أبناء المغرب الكبير قد تحققت على الارض. وعندما يلتحم أهل الأقليم في الضفتين الجنوبية والشرقية من المتوسط سيصبح ندا لأهل الضفة الشمالية منه شرطا في التعاون الندي وتجاوز المرحة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة. ذلك هو النصر الحتم


شنوة رأيك ؟

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0