أبو يعرب المرزوقي يدعو إلى تخفيض راتب رئيس الجمهورية إلى النّصف

أبو يعرب المرزوقي يدعو إلى تخفيض راتب رئيس الجمهورية إلى النّصف

سؤالان إذا اجبنا عنهما عرفنا علة تسول تونس وكيفية علاج أدوائها الاقتصادية من منطلق علاج أدوائها الثقافية: 1-ما كلفة الدولة على الجماعة؟ 2-وكيف يمكن الحد منها حدا يغني عن التسول وييسر تمويل الاستثمارات الكافية لاخراجها من مآزقها كلها؟ وعندما أتكلم على كلفة الدولة فإني لا اعني كلفة وظائف الجماعة التي تعتبر الدولة قيمة عليها بل أعني كلفة هذه القوامة التي يخفيها تضخيم كلفة الوظائف التي لا غنى عنها في كل جماعة. فلأشرح الفرق بين الأمرين قبل الشروع في شرح كلفة الدولة وادوائها. فوظائف الجماعة في كل دولة وليس في تونس وحدها هي ما يسميه ابن خلدون صورة العمران والاجتماع وهي احدى عشرة وظيفة: خمسة للرعاية وهي التربية للتكوين في نظام التعليم وفي نظام العمل الذي يتقاسمه خريجوا التعليم في التعاون والتبادل والتعاوض الذي هو معنى الحياة العمرانية والاجتماعية. وهي: اثنتان للتكوين واثنتان للتمويل والأخيرة هي أصلهاجميعا. وهذه الوظائف هي التالية:

1-التربية النظامية

2-التربية اللانظامية أو استكمال الاولى في العمل نفسه الذي تخرج المتعلم ليملأه بكفاءته المعرفية والتقنية وبتربيته الخلقية والمهنية.

3-نظام الأنتاج الثقافي لكل التراث في الجماعة وهو الغذاء الروحي لافرادها وما يحيط به من شروط

4-نظام الإنتاج الاقتصادي لكل الثروة في الجماعة وهو الغذاء المادي وما يحيط به من شروط

5-أساس كل ما تقدم أي البحث العلمي والاعلام العلمي المتعلقين بالوظائف الاربعة الأولى التي تتفرع عنه وبذاته باعتاره وعي الجماعة بحاجاتها وابداع طرق علاجها. وهذه الوظائف هي غاية الحياة الفردية والجماعية وأداتها: تطلبها الجماعة ولا تحققها إلا بها.

ولذلك فكلفتها إذا طبقت فيها الشروط الاقتصادية والتقافية الضرورية والكافية لا يمكن أن تتجاوز المعقول. فصاحب أي عمل لا يمكن أن يواصله إذا كان غير مربح ومن ثم فالمعيار الاقتصادي ينبغي أن يكون المعيار الأصح في كل مشروع حتى لو كان تابعا للملكية العامة لأن هذه وظيفتها حماية المصالح الاستراتيجية دون أن تكون هذه الحماية متنصلة من شروط بقائها أي ألا تؤدي إلى الخسارة الدائمة.

ولذلك فغالبا ما تكون المشروعات الاستراتيجية خاضعة لشرطين الأول هو سدا الحاجة الوطنية الثاني أن يكون لها ما يجعلها تصدر الفائض حتى تواصل آلة الانتاج عملها وإلا فهي ستتوقف لأن تمويلها مكلف:

مثل الأسلحة الدفاع والأدوية في الصحة والزراعة في الغذاء وخاصة مشروعات الطاقة والبحث العلمي. ونفس هذا الكلام الخاص بالكلفة يقال كذلك عن وظائف الحماية الخمس. وهي اثنتان للحماية الداخلية واثنتان للحماية الخارجية والاخيرة للاستعلام والأعلام على حال الأمة لتحقيق الحماية بعمل على علم بحالها وبما ينبغي تحقيقه بمنطق وحدة الشعب وحريته وقدرته على حماية سيادته. وهذه الوظائف هي كالتالي:

1-القضاء لحسم الخلافات بين المواطنين وبينهم وبين المنتخبين لقوامة الدولة أي الحكم والمعارضة.

2-الأمن الداخلي أو الداخلية ووظيفتها تنفيذ أحكام القضاء بعدها والتدخل المسبق لمنع ما قد يضرب بالأمن العام مع وجوب عرضه على القضاء في اجل لا يطول.

3-الدبلوماسية التي تؤدي في الحماية الخارجية ما يؤديه القضاء في الحماية الداخلية أي أنه الساهر على حقوق الجماعة بمقتضى القانون الدولي.

4-الدفاع الذي يؤدي في الحماية الخارجية ما تؤديه الداخلية في الحماية الداخلية أي تنفيذ القانون بعديا ومنع ما قد يضر بسيادة الجماعة خارجيا مع العرض على الدبلوماسية في اجل لا يطول.

5-والاخيرة هي الاستعلام والإعلام وهي ما يجعل الدولة تعمل على علم لتحقيق شروط الحماية الداخلية والخارجية بالقانون وبالردع التنفيذي الذي تمثله شوكة الدولة من حيث هي العنف الشرعي في الداخل والدفاع الشرعي في الخارج.

إذا كانت هذه الوظائف واحدة وضرورة في كل الدول وكان يمكن تقدير كلفتها بمعيارين معيار النجاعة الاقتصادية (مثل عدد الموظفين فيها وأجورهم وشروط نجاحهم في عملهم) وبمعيار التناسب بين الكلفة والدخل القومي الخام لأن دولة فقيرة لا يمكن أن يكون انفاقها مثل دولة غنية فإن الاشكال إذن لا يتعلق بل بعدم احترام هذين المعيارين لعلتين كلتاهما متعلقة بالقوامة وليس بالوظيفة أي بترشيد القوامة أو ما يسمى بالحكم الرشيد وغير الفاسد: وهما امران مختلفان تماما: فترشيد الحكم يشمل الدول الصالحة والدول الفاسدة وهو مقصور على المعيارين هذين. فمثلا في تونس يمكن القول إن التوظيف في هذه الوظائف متجاوز لكل حد معقول لهذين المعيارين: فالإدارة التونسية يمكن أن تكتفي بأقل من نصف الموظفين فيها. وهذا نوع من الفساد لكنه لا يبرز بهذا المعنى لأنه يتخفى وراء حاجة الوظائف وليس سوء تصرف من القوامة. وهو مع ذلك دون الفساد الذي اعنيه وهو اخطر مليون مرة من هذا التصرف السيء بمعايير الاقتصاد لأن غالب التوظيف الزائد على الضرورة علته خدمة السياسيين لما يديم دورهم في القوامة. الفساد الاخطر مضاعف:

1-استغلال النفوذ لإيجاد اقتصاد مواز بتواطيء من ذوي النفود في تفليس مؤسسات الدولة وإنشاء بدائل منها بما يشبه الخوصصة دون عمل يذكر لأنها استحواذ على أملاك الدولة بأقل كلفة ودون جهد يذكر لأن ذلك يتم بقروض غالبا ما لا تسدد من الادخار الوطني.

2-استغلال النفوذ للحصول على عطاءات الدولة ورخض التصدير والتوريد والامتيازات في المتاجرة بثروات البلاد الطبعية والخدمات الاقتصادية والاجتماعية بحيث إن الطبقة السياسية النافذة وأسرها وأزلامها يصبحون مسيطرين على الاقتصاد الوطني دون إبداع أو انتاج وغالبا ما يكون ذلك بشراكة مع مافيات المستعمر. ويجمع بين هذين ما يمكن تسميته "بستوى حياة السياسيين" (تران دو في في اجهزة الدولة القيمة على الوظائف: ولاضرب الامثلة الخمسة التالية ولنفرض أن تونس تقرر خفضها إلى نصفها كلها:

1-كلفة رئاسة الدولة: لنفرض تنزيلها إلى نصفها ومعها (الدبلوماسية)

2-كلفة رئاسة الحكومة

3-كلفة الإدارة المركزية في قوامة الوظائف العشر لأن الحادية عشرة هي الحكومة ورئاسة الدولة.؟

4-كلفة الإدارة المحلية التي تعمم فروع المركزية قوامة الوظائف الأربعة لأن الدبلوماسية مستثناة من التمثيل المحلي.

5-كلفة مجلس النواب فيكون الربح كافيا لسداد الديون بعد قليل من السنوات ولن يجوع أصحاب هذه الادوار بل سيبقون مرفهين وقد أزعم في نسبة تتجاوز ما تتحمله دولة مستولة. وحتى لا أظلم أحدا فلاقل إن الاجر المعقول ينبغي أن يقاس على أرفع الأجور في الوظيفة العمومية مع منحة إضافية بسبب تجاوز معدل العمل فيها أي إن الوزير مثلا إذا كان مخلصا لعمله فهو يعمل أكثر من أربعين ساعة ولنجعلها مثلا ستين ساعة أي عشرة ساعات يوميا باستثناء يوم الراحة الاسبوعية. فيكون أجره مرة ونصف أعلى راتب في الوظيفة العمومية. لكن رئيس الدولة نصف ثلاثين مليون كاف وزيادة خاصة إذا كان عاطلا مثل دميتنا. ونصف أفراد حاميته كاف. ونصف موظفي ديوانه كاف. ويمكن اعتبار ما يحصل في مجلس النواب مقياسا فالنائب الجدي لا يعمل أقل من الوزير وينبغي أن يعامل مثله. والاقتصاد هنا ليس في الرواتب بل في عدد النواب. فتونس ليس بلدا كبيرا بحيث يحتاج إلى 217 نائبا نصفهم كاف. وأقصى ما اعتبره مقبولا هو 120 نائبا يعني خمسة لكل ولاية. وبذلك فكلفة قوامة الدولة ستنخفض إلى النصف وهو المناسب لإمكانيات تونس. وإذا طبقنا المعيار الاقتصادي بين الكلفة والخدمة في بقية المؤسسات الإدارية أمكن أن نخلص ميزانية التصرف إلى النصف كذلك دون تخفيض الاجور ولكن بتخفيض عدد الموظفين إلى النصف. وهذا ممكن ولا يطرح مشكل زيادة في البطالة لأن الحاصل هو بطالة مقنعة.

فالموظفون الزائدون عما يكفي في أداء الوظائف لا ينتجون شيئا ومن ثم فهم بطالون. ويمكن مثلا في مرحلة أولى تسريح نصفهم والابقاء على نصف اجرهم ومطالبتهم بالبحث عن عمل منتج فيتعتبر نصف الاجر تشجيعا على الانتاجية في مجالات كثيرة مهملة خاصة وقد صارت الخريج من المدارس لا يريد إلى التوظيف الإداري لعدم وجود القدرة على المبادرة الانتاجية ولعقم نظام التعليم البدائي والمتخلف. وأخيرا فالدولة التي تكون بهذا الصلاح تستطيع التخلص من نوعي الفساد المشار إليهما: الاول ومثاله ما رأيناه بالعين المجردة في سلوك الفخفاخ استعمال الوظيفة السياسية للاثراء بالاطلاع على أسرارها وثغرات القانون فيها من اجل السرقة المحمية بالقانون. وهو يتعلق بالعطاءات وما فعله الفخفاخ نقطة من بحر لأن كل النافذين يفعلون مثله واكثر. ويجدون من يغطي عليهم بين الاحزاب بل صار رئيس الدولة هو نفسه مغطيا على بعضهم حتى يساعدوه في حربه على البرلمان وعلى الاحزاب حتى يحقق مشروعه. الثاني وهو الاقتصاد الموازي الذي هو على نوعين ويمثل أكثر من نصف اقتصاد البلاد:

1-التهريب المعتمد على التواطيء الإداري وقد وصف ابن خلدون الحرابة بكونها سرقة علتها إما تراخي الدولة في القيام بواجبها لحماية امن المواطنين أو مشاركتها فيها مقابل سهم منها وذلك هو الوصف الفعلي للتهريب.

2-الاستحواذ على المؤسسات الاقتصادية التي على ملك الدولة بالتخصيص الخبيب بمعنى أنهم يفلسونها حتى يشترونها بابخس الأثمان وبقروض من الادخار الوطني دون سداده فيصبحون من كبار رجال الأعمال دون عمل.

ولعل السياحة ونيابة الشركات الاجنبية في تونس من أبرز الأمثلة على ذلك إذ إن الدولة تعطيهم كل شيء دون مقابل وتضيف إليهم القروض التي لا يسددونها. وأذكر هنا ملحة:

هددني جماعة السياحة بأن يقاضوني لما قلته في هشاشتها وخطرها على اخلاق الشعب فتحديتهم بأن يفعلوا وقلت لهم إن فعلتم سأقدم طلبا في إزالة الحصانة ولكن قبل ذلك سأقدم قضية في مطالبتكم بسداد الديون أو تأميم مؤسساتهم مقابل ديونكم: فبات الحس. وكنت سأفعل لكني استقلت لما تجاوزت السنة التي كانت التزاما معنويا في الانتخابات. تلك هي الإشكالية وذلك هو علاجها:

دولة متسولة تعيش نخبها الحاكمة بمستوى لا تناسب دخلها القومي الخام. واقتصاد مطلق الفساد لأنه لا يطبق أدنى شروط النجاعة الاقتصادية وثقافة استهلاكية لما لا تنتجه البلاد وأهمال لآفاق الابداع الاقتصادي والثقافي وتربية أكل عليها الدهر وشرب. وكل ما قلته عن الدولة وعن رجال الأعمال يقال اكثر منه عن نقابة العمال بل لعلها أفسد مما وصفت في كلامي على الدولة.

ذلك أن النقابة صارت مافية العاطلين الذين يستغلون ما يقدمونه على أنه دفاع عن العمال بتواطيء مع المافيات. فهم يفلسون المؤسسات الاقتصادية التونسية حتى تباع بأبخس الأسعار ويكون لهم فيها سهم: إذ كلهم صاروا من كبار الاغنبياء دون عمل ولا ابداع مع أثقال كل المؤسسات بتوظيف أبنائهم وأبناء جماعتهم. فمن منا لا يفهم كيف صارت تونس تستورد الفوسفاط مثلا؟


شنوة رأيك ؟

like
1
dislike
0
love
0
funny
0
angry
1
sad
1
wow
0