أيو يعرب المرزوقي : عود على البدء...قراءة أولية في نتائج الانتخابات

أيو يعرب المرزوقي : عود على البدء...قراءة أولية في نتائج الانتخابات

من ينظر إلى مخرجات النيابيات يكتشف أن التفتت إلى أكثر من 200 حزب بدأ يلتئم ليعيد الساحة إلى البنية الطبيعية للقوى السياسية. وقد بينت أن القوى السياسية نظريا تتألف دائما من قطبين اقصيين هما :
1-اليمين الذي يهتم بالسياسي من حيث هو حفاظ على الثروة (المحافظة على القيم الاقتصادية) والتراث (المحافظة على القيم الثقافية).
2- واليسار من حيث هو سعي لتوزيع الثروة ولتوزيع التراث بما يقرب من العدل بين المواطنين.
لكن منطق الديموقراطية (للزيادة في القاعدة الشعبية) وحتى منطق الاقتصاد-الثقافة (للزيادة في الثروة والتراث) يقتضيان ترضية عموم الناخبين وهو ما يقتضي أخذ الموقف اليميني شيئا من الموقف اليساري فتميل قواه السياسية إلى يسارها حتى توسع قاعدتها لئلا تخسر الحكم أو لتعود إليه فتنجح في الانتخابات.
ونفس المنطق الديموقراطي والاقتصادي-الثقافي يقتضيان ترضية صفوة الناخبين التي تنتج الثروة والتراث لأنها هي التي توفر ما يمكن توزيعه بالعدل فيصبح الموقف اليساري بحاجة إلى شيء من الموقف اليميني فيتحول إلى يمين اليسار.
وطبعا لا بد أن يبقى بعض القوى الهامشية التي تتذبذب بين هذين القوتين ممثلة بالوسط الانتهازي الذي يتبع الغالب من هذه القوى السياسية الأربع في كل مجتمع سوي. وتبرز قوة الوسط السياسية خاصة عندما لا تحصل أي من القوى الاربع على الأغلبية المريحة للحكم فتحتاج إلى رديف يكون عادة من قوة الوسط. ورغم التنافس في اليمين وفي اليسار فغالبا ما تتحد قوتا اليمين في صف واحد. وتتحد قوتا اليسار في صف واحد في المراحل الانتخابية الكبرى.
وبذلك ننتقل من الحدين الاقصيين -اليمين واليسار- إلى حدين أوسطين هما يسار اليمين ويمين اليسار. وهما القوتان السياسيتان المتداولتان في كل بلد ديموقراطي. وقد يقع أحيانا الانتكاس إلى الطرفين لعلل اجنبية عن النظام إما بسبب أزمة اقتصادية أو بسبب أزمة ثقافية مثل الخوف على الهوية في علاقة أوروبا بالمهاجرين.
وما يفرحني حقا هو أنه يبدو أن ما حدث في تونس بمناسبة النيابيات بدأ يقرب من هذا القانون حتى وإن لم يلتئم شمل القوتين بشكل نهائي. لكن التوجه إلى الحد من التفتت والشروع في الالتئام مبشر بالخير. من ذلك مثلا أني لا اعتقد أن ظاهرة القروي وظاهرة سعيد يمكن أن تبقيا مؤثرتين بعد الأزمة الحالية لأنهما تعبران عن حالة ظرفية لا تخضع لسنن السياسة وطبائع الأمر في القوى السياسية ذات المرجعية السوية:
1- فلامعنى لقوة سياسية تدعي الطهرية المتنافية مع محركات الفعل الإنساني المادية.فالإنسان مستعمر في الأرض وهو أمر ينافي خرافة سعيد
2- ولا معنى لقوة سياسية تدعي التحلل من الاخلاق نهائيا تحللا يتنافى مع محركات الفعل الإنساني الروحية. فالإنسان مستخلف في الارض وهو أمر ينافي خرافة القروي.
إن الإنسان ليس ملاكا وليس شيطانا بل هو يتنازعه الميل إلى شروط قيامه المادي دون أن يهمل شروط قيامه الروحي والعكس بالعكس. لذلك فلا بد من القوتين التي تغلب البعد الذي يحاول الوصل بين الدنيوي والأخروي مع تغليب الثاني على الأول والتي تحاول الوصل بينهما مع تغليب الاول على الثاني.
لكنهما قوتان لا تفصل بينهما مثل ما يدعو إليه سعيد وكانها حزب ملائكة وهي الكذبة الأكبر وما يدعو إليه القروي وكأنها حزب شياطين وهي كذبة كبرى:
1-فالقوة الأولى هي مجموعة القوى التي لها ميل إلى المرجعية الإسلامية التي تجمع بين التأصيل والتحديث مع تقديم الاول على الثاني. وقد سميتها القوة الثعالبية وهي يمين اليسار لأنها تقدم التوزيع العادل دون الاضرار بقوى انتاج الثروة والتراث. وهي ما تزال غير متحدة لكن تياراتها المختلفة بدأت تقل ويمكن أن تصبح قوة سياسية كبرى ذات تعدد تياري مثل الحزب الاشتراكي الفرنسي.
2-والقوة الثانية هي مجموعة القوى التي لها ميل إلى المرجعية العلمانية والتي تجمع بين التحديث والتأصيل مع تقديم الأول على الثاني وقد سميتها القوة البورقيبية وهي يسار اليمين لأنها تقدم قوى الإنتاج دون الاضرار بالتوزيع العادل ما أمكن. ويمكن أن يحصل فيها ما وصفت في القوة الأولى.
وكل الحزيبات والتحالفات الأخرى هي الوسط الانتهازي الذي يمكن أن يميل مع هذا او ذاك فينضم في الحكم أو في المعارضة إلى القوة التي تحكم أو التي يبدو أنها ستحكم في المستقبل لأن الوسط انتهازي بالطبع.
ولما كانت تونس ليست بعد ديموقراطية فهي بحاجة إلى حكم توافقي وإذن فالحل المنتظر هو أن تواصل القوتان الأكبر التوافق حتى تستقر ثقافة الديموقراطية فيصبح التداول بينهما ممكنا مع الرديف الوسطي ككل الأنظمة الديموقراطية.
وبذلك يكون المنتظر في تطور القوى السياسية في تونس هو عكس ما حدث بعيد الثورة أعني العودة إلى توحيد القوى السياسية بدل تفتيتها. وبخلاف ما يوهم به الكثير من المحللين فإني اعتقد أن تشكيل الحكومة ليس عسيرا بل هو يسير إذا فهمت القوتان الكبريان ما دعوت إليه منذ انتخابات 2011 أي التحالف الاستراتيجي بين البورقيبية والثعالبية حتى تصل تونس إلى بر الأمان وتصبح قادرة بفضل ترسيخ الثقافة الديموقراطية على التداول السلمي بينهما كما يحدث في كل البلاد الديموقراطية بين يمين اليسار (الحركة الثعالبية إذ ذلك هو جوهر سياسة الإسلام التي تنبني على عدل التوزيع دون الضرر بإنتاج الثروة والتراث) ويسار اليمين (الحركة البورقيبية إذ ذلك هو جوهر الليبرالية العلمانية التي هي رأسمالية حداثية):
1-لا بد أن يلتئم صف الحزب البورقيبي الذي كان حل حزبه خطأ استراتيجيا لم تكن النهضة مسؤولة عنه لأنه تم قبل أن تنظم صفها وتشارك في الحكم.
2- ولا بد أن يتجنب صف الحزب الثعالبي ما بدأ يسري إليه من تفتت بتعدد من يتكلم باسم الحزب الثعالبي وهو خطر قائم لأن المتكلمين باسم الاصالة والاستقلال يزايدون على النهضة.
هذا ما تفرضه النظرية. والممارسة قد تختلف عنها بعض الاختلاف. لكن النظرية هي التي تغلب في النهاية. وقد توقعت أن يحصل ذلك لأن تونس لا يمكن أن تستقر من دون العمل بمقتضى ما تفرضه طبائع الأشياء إذ إن القوتين السياسيتين اللتين شاركتا في التحرير هما اللتان ينبغي أن تشاركا في استكماله وتحقيق شروط التحرر.
ولما كنت أعتقد أنه لا يمكن للممارسة مهما حادت عن النظرية أن تتنافى معها بصورة مطلقة فإني واثق من أنها ستجري بمقتضى سنن التاريخ وطبائع السياسة عندما يصبح للناخبين الدور الرئيس في تعيين من ينوبهم في تسيير أمرها تحت رقابتها الدائمة ومحاسبتها الدورية لنوابها في إدارة شأنها الاقتصادي والثقافي أي نوعي القيم التي من دونها لا يمكن تصور حياة جماعية لشعب حر يحكم نفسه بنفسه وإن بنواب يختارهم لثقة فيهم من حيث الكفاءة والأخلاق وخاصة إذا كان الانتخاب على الأشخاص وليس على القوائم:
القيم الاقتصادية شرطا في سد حاجات كيانها العضوي.
القيم الثقافية شرطا في سد حاجات كيانها الروحي.


شنوة رأيك ؟

like
11
dislike
0
love
2
funny
0
angry
0
sad
1
wow
0