الأقنعة لن تمنع الإصابة بكورونا وسينتشر بشكل أكبر الصيف القادم.. ماذا نفعل؟

الأقنعة لن تمنع الإصابة بكورونا وسينتشر بشكل أكبر الصيف القادم.. ماذا نفعل؟

في يوم الثلاثاء 18 فبيفري، لم يكن قد أُبلغ عن أي حالات إصابة بفيروس كورونا في إيران. وفي يوم الأحد 23 فيفري، أعلنت الحكومة وجود 43 إصابة وثماني وفيات. وفي يوم الأحد أيضاً، تأكّد في إيطاليا وجود ما يقرب من 152 حالة (وثلاث حالات وفاة على الأقل)، بعد أن كانت ثلاث حالات فقط في يوم الخميس 20 فيفري. وقفز عدد المصابين في كوريا الجنوبية إلى 763 (و6 وفيات) في غضون أيام فقط.

وحتى يوم الإثنين، رُصد فيروس كورونا الجديد في 29 دولة على الأقل. أما في الدول التي تمتلك حالات قليلة أو حالات لم يُبلغ عنها حتى الآن -خاصةً في أمريكا الجنوبية وإفريقيا-؛ فإنّ غياب الأدلة على وجود الفيروس لا يعني عدم وجود مُصابين، بل يعكس ذلك على الأرجح نقص الاختبارات.

فهل أصبح تفشي فيروس الكورونا الجديد وباءً، بغض النظر عن توصيفه بهذا الوصف من منظمة الصحة العالمية أم لا؟

وإذا كانت الإجابة هي نعم، فماذا بعد؟

أولاً، لنوضح الحقائق حول ما يمكن وما لا يمكن فعله.

أصبح من الواضح الآن أنّ احتواء الوباء كان أمراً مُستحيلاً منذ البداية. وأقصى ما حدث هو إبطاء انتشاره بسبب الإغلاق المفروض في الصين وجهود البلدان الأخرى في تحديد المصابين وأي شخص يُحتمل احتكاكهم به.

ويبدو أنّ فيروس كورونا الجديد ينتقل من شخصٍ لآخر، مثل الإنفلونزا، عبر الهواء. وبعكس فيروس إيبولا والسارس وفيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، يمكن للأفراد نقل هذا الفيروس قبل ظهور الأعراض عليهم، وحتى إذا لم يصبحوا مرضى. ويبدو أنّ المصاب ينشر المرض في المتوسط إلى 2.6 شخص. وبالتالي تُنتِجُ الإصابة الأولى بعد 10 أجيال من انتقال العدوى، التي يستغرق كل منها خمسة أو ستة أيام تقريباً، أكثر من 3500 حالة، غالبيتها لا تبدو عليها أعراض المرض أو تُظهِر أعراضاً بسيطة، ولكنها على الأرجح مُعدية. ويزداد تعقيد التشخيص بسبب حقيقة أنّ الحالات الخفيفة يصعب تمييزها عن نزلات البرد أو الإنفلونزا.

وفي ضوء خصائص المرض، يبدو الحجر الصحي المفروض على ركاب وأفراد الطاقم سفينة Diamond Princess السياحية في خليج يوكوهاما باليابان مجرد تجربة قاسية؛ فأثناء احتجازهم اضطُر هؤلاء الأشخاص إلى تنفس الهواء المعاد تدويره لمدة أسبوعين. ولم يُثبِت هذا الإجراء شيئاً باستثناء مدى فعالية الفيروس في الانتشار. إنّ محاولة وقف انتقال العدوى المشابهة للإنفلونزا تُشبه إلى حدٍ كبير محاولة إيقاف الريح.

ولا تزال التطعيمات على بُعد شهور كثيرة على الأقل. واستناداً إلى الخبرات السابقة مع السارس وفيروس كورونا متلازمة الشرق الأوسط التنفسية والإنفلونزا الوبائية، لا يوجد سبب للاعتقاد بأنّ فيروس كورونا الجديد سيختفي خلال الربيع المقبل مع ارتفاع درجات الحرارة في نصف الكرة الشمالي، كما ادعى الرئيس ترامب. وقد يستمر انتقال العدوى في جميع أنحاء العالم لشهور.

وأدّى الإغلاق الذي فرضته الحكومة الصينية في هوبي، أكثر المقاطعات تضرراً من المرض، إلى انخفاضٍ كبير في عدد الإصابات الجديدة لبعض الوقت. ولكن فوائد ذلك الإغلاق محدودة. فإبان محاولة الصين العودة إلى العمل، واستئناف تشغيل وسائل النقل العام، وشروع المواطنين في التحرك؛ من المحتمل أن نشهد انتعاشاً كبيراً لعدد الحالات. وفي حال عدم بقاء السكان داخل منازلهم بالكامل لعدة أشهر، فستعثر العوامل المُعدية -مثل الإنفلونزا أو فيروس الكورونا الحالي- على أشخاص جدد لإصابتهم.

وبعبارةٍ أخرى، يُعدُّ الإغلاق في الغالب مجرد تكتيك لتأخير الانتشار. ومن خلال توزيع الحالات بمرور الوقت، يمكن المساعدة في إدارة تفشي المرض، ولكن بشرط حدوث ذلك مع وجود نظام رعاية صحية قوي. ومع ذلك فإنّ أفضل الأنظمة لا يزال هشاً للغاية ويُمكن للزيادة المعتدلة في الحالات المعدية، سواءً كانت من الإنفلونزا الموسمية أو فيروس كورونا الجديد، أن تستنزف الموارد بسرعة سواءً في الصين أو الولايات المتحدة.

وبقدر ما هو مخيف أن نتخيل ذلك، فإنّ ما حدث في ووهان -مركز تفشّي المرض في الصين- سيتكرر على الأرجح في مكانٍ آخر أيضاً. وقد تضطر المستشفيات إلى إبعاد جميع المرضى، باستثناء أصحاب الحالات الخطيرة، وبالتالي ستتراجع قدرتها على التعامل مع الحِمل المعتاد من المرضى الذين يعانون من الأزمات القلبية أو الإصابات الخطيرة أو السرطانات.

وفي عالمٍ غير مستعد لمرض يمكنه تهديد حياة المصاب به ويسهل انتقاله مثل فيروس كورونا الجديد، فإنّ أكثر الطرق فعالية للتخفيف من تأثير الوباء هو التركيز على دعم أنظمة الرعاية الصحية المثقلة بالأعباء بالفعل.

وهذا هو السبب الرئيسي لوجوب أن تكون الأولوية الأولى لكل دولة هي حماية العاملين في الرعاية الصحية.

إذ تُعاني الولايات المتحدة وغيرها من دول النصف الشمالي من الأرض بالفعل من آلام موسم الإنفلونزا معتدلة الشدة. وانخفض مخزونها من المعدات الوقائية التي يستخدمها الأطباء والممرضون والعاملون في حقل الطوارئ الطبية، مثل قناع N-95 للتنفس والقفازات ووسائل حماية العينين والملابس التي يمكن التخلص منها. ويجب أن تذهب هذه الإمدادات المحدودة إلى العاملين في الرعاية الصحية أولاً، بدلاً من العامة. ويرجع ذلك جزئياً إلى ضرورة حماية المستشفيات من التحوّل إلى مواقع لنشر عدوى الكورونا بدلاً من احتوائها، وإذا توفي عمَّال الرعاية الصحية بأعداد كبيرة، فقد تهتز المجتمعات بأكملها وتصل إلى مرحلة الهلع.

وينبغي على الحكومات أيضاً إجراء تدريبات للتأهب لفيروس كورونا الجديد في المستشفيات المحلية، وتوسيع القدرة المؤقتة للمستشفيات من خلال إقامة خيام الطوارئ في مواقف السيارات مثلاً كما يحدث في بعض الأماكن مثل الولايات المتحدة. ولتقليل الضغط على مستشفيات الرعاية الحرجة المثقلة؛ قد يتعين توفير وحدات رعاية تمريض داعمة في مرافق مؤقتة وفي منازل المرضى، كما حدث أثناء الأوبئة الشديدة في الماضي مثل وباء الإنفلونزا العظيم بين عامي 1918 و1919.

ويجب أيضاً أن يتواصل عمل خطوط تصنيع وتوزيع العقاقير وغيرها من المنتجات الحيوية، مثل الإبر والحقن، وهذا يتطلب تعاوناً دولياً بسبب الطبيعة العالمية لهذه الصناعة. وتماشياً مع المبادئ التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية، ينبغي عدم عزل الدول التي يضربها فيروس الكورونا، بالطريقة نفسها التي تحاول الولايات المتحدة وغيرها فعلها مع الصين حالياً. لأنّ عزلها بالتزامن مع انتشار الفيروس في الحقيقة يعزلنا نحن أيضاً، ويُعرِّض قدرتنا في الحصول على الموارد الحيوية للخطر. إذ إنّ الكثير من المكونات الفعَّالة في عقاقير إنقاذ الحياة، والتي تُخزَّن في العربات المتحركة داخل المستشفيات وتُحافظ على سلامتنا اليومية، تأتي من الصين والهند. وإذا توقف هذا الإنتاج، سيموت الكثير من البشر. وهذا ليس نتيجةً للإصابة المباشرة بفيروس الكورونا الجديد، بل بشكلٍ غير مباشر نتيجةً لنقص القدرة على الوصول إلى هذه العقاقير.

وضمان كل هذا يعني مواجهة الحقائق الصعبة حول هذه الجائحة التي تنتشر، وهذا يتطلب شفافيةً شاملة وكاملة. إذ تشير الخبرات السابقة، مع خطابات الجمرة الخبيثة في عام 2001، وتفشي فيروس إيبولا عام 2014، إلى أنّ البشر يتفاعلون بطريقة أعقل ويُظهِرون مرونة أكبر في مواجهة أزمة شاملة عند الاستعداد فكرياً وعاطفياً لها.

ومع ذلك، فحتى المسؤولون والخبراء الذين توقعوا الوباء بشكلٍ صريح، لا يقولون ما يكفي حول ما يمكن توقعه وكيفية الاستعداد له. ولا تزال المعلومات الأساسية قليلة أو غير كافية. فوفقاً لاستطلاعٍ أُجري مؤخراً، كان 65% من سكان هونغ كونغ يمتلكون أقنعةً جراحية تكفي لشهر أو أكثر، على الرغم من أن هذه الأقنعة لن تفعل شيئاً يُذكر لمنع انتشار فيروس كورونا الجديد.

أما سنغافورة فهي النموذج الذي يجب أن يُحتذى به، إذ تُعاني من تفشي الفيروس على الرغم من وجود نظام رعاية صحية وصحة عامة بجودة عالمية، وسجّلت 89 حالة حتى يوم الأحد. وتُعِدُّ مواطنيها لمواجهة أزمةٍ أكبر من خلال تزويدهم بتعليمات صريحة وإرشادات محددة حول حضور التجمعات الكبيرة أو مشاركة المناطق السكنية مع الخاضعين للحجر الصحي في المنزل، على سبيل المثال.

وما الذي يجب أن يفعله كلٌ منا، إلى جانب البقاء على اطلاع وغسل الأيدي بشكل متكرر؟ الحفاظ على الهدوء والعقلانية. قد يكون من المفيد تخزين احتياطي من الأدوية المهمة، على سبيل المثال، ولكن ليس بكميةٍ أكبر من اللازم لأنّ التخزين قد يُؤدّي إلى نقصٍ عام في الأدوية.

ويمكننا، باعتبارنا أفراداً، أن نحاول وضع خطط للطوارئ الأساسية. فيمكن للشركات تدريب الموظفين الأساسيين، بحيث لا يؤدي غياب شخص واحد إلى عرقلة العمل. ويجب أن يكون أفراد الأسرة والأصدقاء متيقظين لصحة وسلامة بعضهم البعض، وأن يكونوا مستعدين لرعاية المصابين بحالات معتدلة إذا ضاقت المستشفيات بهم.

“الوباء” ليس مجرد مصطلح فني للصحة العامة. بل هو، أو ينبغي أن يكون، صرخة للم الشمل.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأمريكية.


شنوة رأيك ؟

like
3
dislike
0
love
1
funny
6
angry
0
sad
4
wow
2