العالم الذي نعرفه يحتضر.. هكذا سيغير كورونا حياتنا

العالم الذي نعرفه يحتضر.. هكذا سيغير كورونا حياتنا

أُشتقت كلمة “أزمة” باللغة الإنجليزية (crisis) من الكلمة اليونانية “krisis”، وتعني القرار أو الحكم.  في ضوء ذلك، اكتسبت اللغة الإنجليزية مفردات مثل “critic” وتعني الناقد أو “critical condition” وتعني حالة حرجة مجهولة التداعيات والمصير. وقد تنتهي الأزمة على نحوٍ جيد أو سيئ، لكن الفكرة الأساسية هي أنَّ نتائجها غير مؤكدة. فالمرور بأزمة يعني أنَّك تعيش في عالم مفتوح على كل الخيارات مؤقتاً.

تتسم أزمتنا الحالية بقدرٍ كبير للغاية من عدم اليقين بشأن كيفية أو موعد انتهائها. يشير مُصمّمو النماذج في جامعة “Imperial College” البحثية الإنجليزية، الذين حوّلت حساباتهم وتقاريرهم نهج الحكومة البريطانية المتراخي نسبياً تجاه فيروس كورونا إلى نهج أكثر حدة. لكنهم يؤكدون أنَّ طريق النجاة الوحيد من إجراءات “التباعد الاجتماعي” المفروضة على العالم حالياً هو التوصّل إلى لقاح. وهو الذي قد لا يكون متاحاً حتى صيف العام المقبل.

ويصعب تخيُّل نجاح أي مجموعة من السياسات الاقتصادية والتجارية في ظل هذا التوقف المطول للحياة. ولقد بات من المصير المحتوم الآن وقوع ركود اقتصادي عالمي، وانهيار سوق العمل وتراجع إنفاق المستهلكين.

فلقد اتّضح أنَّ توقف الناس عن الخروج من منازلهم سيقود بدوره إلى توقف عملية تداول الأموال أيضاً. فبينما تتخلى الشركات الصغيرة عن موظفيها بسرعة مخيفة، أعلنت شركة “أمازون” عن توظيف 100 ألف عامل إضافي في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الزيادة الكبيرة في عمليات التسوق عبر الإنترنت. (يعد هذا النمو الهائل لمثل هذه المنصات أحد أوجه الاستمرارية القليلة المتبقية من العالم الذي نتركه وراءنا، والتي يصعب الترحيب بها).

كيف وصلنا إلى هنا؟ 

يعتبر عقد السبعينيات هو ما يُشكّل خيالنا المعاصر تجاه الأزمات، إذ يضرب مثالاً على الطريقة التي تستطيع بها فترة توقف تاريخية أن تضع الاقتصاد والمجتمع على قضبان جديدة. شهدت هذه الفترة انهيار نظام ما بعد الحرب لأسعار الصرف الثابتة وضوابط رأس المال وسياسات الأجور، التي كان يُتصوّر أنّها أدت إلى تضخم لا يمكن السيطرة عليه. خلقت هذه الفترة أيضاً الظروف، التي منحت تيار اليمين الجديد المتمثّل في رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، مارغريت تاتشر، والرئيس الأمريكي الأسبق، رونالد ريغان، فرصة قيادة عملية الإنقاذ من خلال استخدام توليفة جديدة من خفض الضرائب، ورفع أسعار الفائدة، وشن هجمات على العمالة المنتظمة.

حفّزت فترة سبعينيات القرن الماضي تصوراً للأزمة باعتبارها تحولاً واسع النطاق في الأيديولوجية، التي حافظت على سيطرتها على قطاع كبير من تيار اليسار منذ ذلك الحين. تضمنت الأزمة تناقضاً موجود إلى حدٍ كبير في النموذج الكينزي للرأسمالية (الذي يؤيد تدخل الدولة في بعض المجالات لتحقيق استقرار الاقتصاد الكلي)، بالإضافة إلى إصلاح شامل في أسلوب العمل السائد بالبعد عن الصناعات الثقيلة الجامدة والميل إلى نظم الإنتاج المرنة، التي يمكنها الاستجابة بشكل أسرع لأذواق المستهلكين.

كان هناك أيضاً بُعد مكاني مهم للأزمة المالية في عقد السبعينيات، حيث تخلّت رؤوس الأموال عن معاقلها الصناعية الشهيرة في شمال إنجلترا والغرب الأوسط الأمريكي، واتجهت، بمساعدة من الدولة، نحو الأحياء المالية والتجارية للمدن العالمية المتلألئة السلسة، مثل لندن ونيويورك.

 

انتظر كثير من اليساريين بفارغ الصبر خليفة لمارغريت تاتشر على مدار أكثر من 40 عاماً بعد توليها منصبها لأول مرة، على أمل حدوث انتقال أيديولوجي مماثل في الاتجاه المعاكس. لكن على الرغم من الاضطرابات الكبيرة والمعاناة الاجتماعية، فشلت الأزمة المالية العالمية عام 2008 في إحداث تحول جذري في النهج السياسي المُتّبع. في الواقع، بعد التدفق الأولي في الإنفاق العام الذي أنقذ البنوك، أصبحت وجهة النظر العالمية التاتشرية فيما يتعلّق بالسوق الحرة أكثر هيمنة في بريطانيا ومنطقة اليورو. استهدفت الاضطرابات السياسية عام 2016 النموذج الاقتصادي الراهن، لكن مع عدم طرح بديل واضح متماسك له. ومع ذلك، يُنظر إلى هاتين الأزمتين حالياً باعتبارهما مجرد بوادر للأزمة الكبيرة، التي ظهرت في مدينة ووهان الصينية نهاية العام الماضي 2019.

 

انهيار العالم القديم 

بإمكاننا تحديد بعض نواحي اختلاف أزمة عام 2020 وعواقبها عن الأزمة المالية التي شهدها عقد السبعينيات. أولاً، أزمة 2020 أزمة تخص الرأسمالية العالمية -فقد أصابت قطاعات الطيران والسياحة والتجارة- وكان سببها الجذري غير اقتصادي. وترجع درجة الدمار الذي ستسببه هذه الأزمة إلى السمات الأساسية للرأسمالية العالمية التي لم يشكك بها أي اقتصادي تقريباً، ألا وهي المستويات العالية من التواصل الدولي واعتماد معظم الناس على سوق العمل الدولي. هذه ليست سمات لنمط سياسة اقتصادية معينة، إنَّها سمات الرأسمالية الصرفة.

ثانياً، يختلف الجانب المكاني لهذه الأزمة عن الأزمة المالية للرأسمالية في عقد السبعينيات. وباستثناء الأماكن والملاذات التي يلجأ إليها كبار الأثرياء، فإنَّ الوباء الحالي لا يميز على أساس الجغرافيا الاقتصادية. قد ينتهي الأمر بخفض قيمة مراكز حضرية بعد أن بات واضحاً حجم “العمل القائم على المعرفة” الذي يمكن إنجازه عبر الإنترنت. لكن في حين وصل الفيروس في أوقات مختلفة إلى أماكن مختلفة، فإنَّ السمة اللافتة للنظر في الأسابيع القليلة الماضية كانت الطبيعة العالمية للسلوكيات والمخاوف البشرية.

في الواقع، أدَّى انتشار الهواتف الذكية والإنترنت إلى ظهور نوعية جمهور عالمي جديد لم نشهده من قبل. قدّمت أحداث مثل هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية لمحة عن هذا الجمهور، مع اهتزاز هواتف نوكيا في جميع أنحاء العالم بإرشادات لمشاهدة التلفاز على الفور. لكن فيروس كورونا ليس مشهداً يحدث في مكانٍ آخر، بل يحدث خارج نافذتك في الوقت الحالي. وبهذا المعنى، فإنَّه يتلائم تماماً مع عصر وسائل التواصل الاجتماعي واسع الانتشار، حيث يجري توثيق كل تجربة ونشرها. 

تعتبر كثافة هذه التجربة المشتركة الشائعة أحد الأسباب القاتمة التي تجعل الأزمة الحالية تبدو أقرب إلى الحرب من الركود. إذ سَيُحكم على صانعي السياسات الحكومية في نهاية المطاف من حيث عدد الوفيات. وقبل استخراج عدد الوفيات في نهاية الأزمة، سنشاهد العديد من اللمحات المرعبة أسفل سطح الحضارة الحديثة، حيث تواجه الخدمات الصحية إجهاداً مزمناً ولن تتمكن من إنقاذ الأرواح القابلة للإنقاذ. 

مولد عالم جديد 

يتسبَّب شعور الوقوع الوشيك والحتمي، الذي يتّسم به هذا التهديد المرعب المهلك، في جعل اللحظة الراهنة مختلفة كثيراً عن الأزمة المالية لعام 2008 أو عقد السبعينيات، لكنها أقرب إلى أزمة عام 1945 الأيقونية الراسخة في خيال العالم. تؤدي الأزمات، التي تتعلّق تداعياتها بالحياة والموت، إلى تحولات جذرية في السياسة بدرجة أكبر مما يمكن أن تفعله تهاوي المؤشرات الاقتصادية، كما شهدنا في الإعلان المذهل لوزير الخزانة البريطاني، ريشي سوناك، بأنَّ الحكومة البريطانية ستتكفل بدفع ما يصل إلى 80% من رواتب الموظفين غير القادرين على الخروج للعمل بسبب فيروس كورونا إذا أبقتهم الشركات دون تسريح من وظائفهم. بات ممكناً حدوث مثل هذه التدابير التي لا يمكن تصورها، وقد لا يمكن وأد ذلك الشعور بالإمكانية بسهولة مُجدّداً.

 وبدلاً من النظر إلى ذلك المأزق على أنَّه أزمة رأسمالية، ربما يكون من الأفضل التعامل معه على أنَّه مخاضٌ لولادة بداياتٍ اقتصادية وفكرية جديدة.

ففي عام 1755، دمر زلزالٌ وتسونامي معظم مدينة لشبونة، مما أسفر عن مقتل ما يصل إلى 75 ألف شخص. وصحيحٌ أنَّ اقتصادها دُمِّر تماماً، ولكن أعيد بناؤه بأسسٍ مختلفة عزَّزت وضع المُنتجين المحللين في المدينة. وبفضل انخفاض اعتماد المدينة على الصادرات البريطانية، ازدهر اقتصادها في نهاية المطاف.

لكنَّ الزلزال أسفر كذلك عن تأثيرٍ فلسفي عميق، لا سيما على فولتير وإيمانويل كانط،إذ عكف هذا الأخير بنهمٍ على دراسة معلوماتٍ عن الموضوع الذي كان يُتداوَل في وسائل الإعلام الإخبارية الدولية -التي كانت وليدةً آنذاك- مُنتِجاً نظرياتٍ زلزالية مبكرة بشأن ما حدث. ونظراً إلى أنَّ هذه الحادثة أنذَرت باندلاع الثورة الفرنسية، فقد اعتُبِر أنَّها أثَّرت في البشرية كلها؛ إذ أسفر التدمير الهائل الذي أحدثه الزلزال عن هزةٍ قوية في الافتراضات اللاهوتية، مما عزَّز سلطة التفكير العلمي. واستنتج كانط في عمله الأخير أنَّ الله لو كان له غرضٌ ما للبشرية من هذه الحادثة، فهو أنَّه أراد لنا الحصول على الاستقلال الذاتي فردياً وجماعياً، عبر “مجتمعٍ مدني عالمي” قائم على ممارسة المنطق العلماني.

وصحيحٌ أنَّ فهم أهمية أزمة العام الجاري 2020 بصورةٍ كاملة قد يستغرق سنواتٍ أو حتى عقوداً، ولكن يمكننا أن نثق في أنَّها نقطة تحوُّل عالمية بقدر ما هي أزمة عالمية حقيقة. ولا شكَّ في أننا سنشهد قدراً كبيراً من الآلام العاطفية والجسدية والمالية في المستقبل القريب، لكنَّنا لن نجد حلَّاً حقيقياً لأزمةٍ بهذا الحجم أبداً حتى تُعاد صياغة العديد من أساسيات حياتنا الاجتماعية والاقتصادية.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. 


شنوة رأيك ؟

like
1
dislike
1
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0