الهيمنة الفرنسية تعيق العلاقات التونسية الأمريكية: أسرار الأزمة الإقتصادية الحالية

الهيمنة الفرنسية تعيق العلاقات التونسية الأمريكية: أسرار الأزمة الإقتصادية الحالية

تشهد الساحة الدولية ولادة مرحلة ما بعد العولمة وتتميز بعودة الدولة الوطنية والسياسة الاقتصادية الحمائية. وفي حين يحتد التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين الشعبية لتحقيق أفضل المكاسب التجارية والمالية يغرق الاتحاد الأوروبي في أزمة هيكلية حادة تنعكس سلبا على الدول المرتبطة به خصوصا في إفريقيا حيث لايزال الإرث الإستعماري حاضرا بقوة عبر ما سماه عالم الاقتصاد الأمريكي فريدمان برأسمالية التواطئ التي تدمر الإقتصاد المحلي وتشرّع الفساد.

وكما هو معروف فإن العولمة الإقتصادية بدأت في بداية التسعينات عقب إنهيار الإتحاد السوفياتي وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقطب واحد بعد خروجها منتصرة من الحرب الباردة. غير أن أول رئيس أمريكي خلال فترة العولمة وهو جورج بوش الأب لم يستمتع بذلك الانتصار طويلا إذ عانى من فشل إنتخابي تاريخي في مواجهة منافسه ويليام (بيل) كلينتون الذي سخر منه أمام الصحافة عندما خاطبه قائلا:"إنه الإقتصاد أيها الغبي".

لذلك فإن كامل التوازنات الدولية السياسية والاقتصادية أصبحت تمر وجوبا بالسياسة المالية للولايات المتحدة الأمريكية التي صارت تلعب دور شرطي العالم والأخذ بعين الإعتبار سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار. وكنتيجة لذلك برزت دول مستفيدة مما إصطلح على تسميته بالعولمة الإقتصادية وأبرزها دول المجموعة الأوروبية التي تحولت إلى كيان سياسي فوق الدولة يعرف بالإتحاد الأوروبي وجمهورية الصين الشعبية التي غزت منتجاتها كل دول العالم.

تعد تونس من أفضل الأمثلة التي تبين تأثير التحولات الاقتصادية على دول العالم الثالث خصوصا منذ سنة 2011حيث تعتبر الدولة العربية الوحيدة ذات النظام الديمقراطي وتنفرد كذلك بتطبيق قانون النفاذ إلى المعلومات مما يسهل الوصول إلى أرقام موثوقة سواء عبر الإدارات الرسمية أو نشاط المجتمع المدني. ويجمع الخبراء المحليون أن سياسة الجوار الأوروبي لعبت ولا تزال دورا أساسيا في تدمير الإقتصاد التونسي رغم الحماس الرسمي والترويج الإعلامي المكثف والذي يستمر إلى اليوم وذلك رغم أن هذه السياسة هي المتسبب الرئيسي في الأزمة الإقتصادية والإجتماعية التي أدت لإنهيار النظام السابق. 

إن الإنعكاسات الإجتماعية لظاهرة العولمة لم تتسبب في إنهيار إقتصاد دول العالم الثالث فحسب بل إن فئات واسعة من سكان الدول الغنية نفسها أصبحت تعاني من الفقر وإنهيار القدرة الشرائية. وقد إعترف أكبر منظري العولمة بذلك وهو صاموئيل هنتنغتون حيث نشر خلال السنة الفارطة كتابا تحت عنوان "تأجيل نهاية التاريخ" بعد إعلانه عن"نهاية التاريخ" خلال التسعينات.

ويعود فشل العولمة إلى التحولات البنيوية لإقتصاد دول الإتحاد الأوروبي و أمريكا الشمالية. فمع تراجع دور السياسة والإيديولوجيا أصبح الفضاء العام مرهونا لرجال الإقتصاد والذين يسعون لهدف واحد وهو ربح المزيد من الأموال. لذلك بدأت حركة ترحيل عملاقة لمنشآت الإنتاج الصناعي من الدول الغربية بإتجاه دول آسيا ذات اليد العاملة الرخيصة مثل الصين التي تحولت إلى مصنع العالم. لكن ألمانيا شذّت عن هذه القاعدة حيث حافظت على نمو صناعي كبير على عكس جاراتها في أوروبا وهنا نكتشف السر الأول الذي يتم إخفاؤه على الرأي العام. حيث أن بناء الإتحاد الأوروبي أدى إلى تدمير البنية الإقتصادية والاجتماعية للدول الأوروبية وفسح المجال أمام هيمنة ألمانية خفيّة. 

يقوم الإتحاد الأوروبي على سلطة إتحادية (فيدرالية) يشكل البرلمان الأوروبي ومقره سترازبورغ سلطتها التشريعية وتكون اللجنة الأوروبية ومقرها بروكسل بمثابة سلطتها التنفيذية ومهمتها إصدار القوانين التي تنظم الأنشطة السياسية والإقتصادية والقضائية وتحظى قراراتها بالأسبقية على قرارات الحكومات في الدول الأوروبية وهنا نكتشف السر الثاني الخفي وهو أن هذه اللجنة في الحقيقة غير منتخبة ويتم تعيين أعضاءها عبر تزكية بعضهم البعض بل أكثر من ذلك فإن هؤلاء الأعضاء هم من يحددون جدول أعمال البرلمان الأوروبي والقوانين التي يتم التصويت عليها وبالتالي تكون السلط الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية جميعا بيد هذه اللجنة غير المنتخبة مما مكنها من تمرير القوانين المرفوضة شعبيا في أوروبا وحتى خارجها مثل فرض قانون المساواة في الميراث على تونس.

هذه العوامل أدت إلى تصويت البريطانيين لإنسحاب بلادهم من الاتحاد الأوروبي كما أدّت إلى فوز دونالد ترامب برئاسة أمريكا رغم الحملة الإعلامية العنيفة المعادية له والتي لاتزال مستمرة إلى الآن. حيث يواجه الأمريكيون نفس الصعوبات من ناحية غلق المنشآت الصناعية وتحويلها إلى دول أخرى واستقدام المهاجرين حتى غير الشرعيين الذين يعملون في ظروف تشبه العبودية مقابل أجور زهيدة لا يقبل بها السكان البيض وهذا التحول السياسي يمثل البداية الحقيقية لمرحلة ما بعد العولمة.

وقد ينسحب أعضاء آخرون مثل إيطاليا لان العملة الموحدة (اليورو) تدمر إقتصاد باقي الدول الأعضاء حيث تقدم ألمانيا قروضا استهلاكية ميسّرة للدول الأوروبية قصد تمكينها من توريد المنتجات الصناعية الألمانية مثل اليونان واسبانيا وهذا ماحدث بالضبط في تونس حيث أن القروض الضخمة التي تورطت فيها البلاد لم تدخل أغلبها خزينة الدولة أصلا بل ذهبت مباشرة إلى البنوك الألمانية والفرنسية ولم يستفد منها سوى بعض السماسرة في تونس لذلك هي ليست قروضا بل جباية مالية طويلة المدى ستبقى تونس مجبرة على دفعها لألمانيا وفرنسا لعقود وهذا هو السر الثالث.

في حين تتفاوض الدول المستدينة بالدولار مثل تركيا والأرجنتين وجنوب إفريقيا مع أمريكا للحصول على اتفاقات تجارية توفر سيولة مالية تدعم عملتها المحلية يجبر الاتحاد الأوروبي تونس على معاداة الشريك الأمريكي والممولين الخليجيين قصد إبقاءها ضعيفة وتابعة له وتؤكد ذلك إتفاقية يوم الثلاثاء الفارط التي ستضع بموجبها فرنسا إمكاناتها العسكرية بما في ذلك أسلحتها النووية على ذمة ألمانيا مع المشاركة التدريجية لمقعدها الدائم في مجلس الأمن مما يحولها إلى قوة استعمارية بالوكالة ويجعل مراجعة علاقتنا بهاتين الدولتين ضرورة حتمية قبل فوات الأوان. 

 


شنوة رأيك ؟

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
1
wow
0