في أوّل مقال له بعد انسحابه من الحياة السياسيّة : المرزوقي يصف قيس سعيّد بالشعبوي الساذج

في أوّل مقال له بعد انسحابه من الحياة السياسيّة : المرزوقي يصف قيس سعيّد بالشعبوي الساذج

كم من الوطنيين على استعداد لتحمّل فكرة أن الشعب والوطن والمواطن مفاهيم دخلت عقولنا وقلوبنا مثلما دخل مطبخَنا “الكرواسان” والبطاطا المقلية، أي في ركاب استعمار فرنسي، رحّلْنا جسمَه وحافظنا على روحه بالحفاظ على الكثير من عاداته وأفكاره وقيَمه؟

أليس من الغريب أن يَدين الوطنيون العرب بتصورهم للشعب، لمفكرين أوروبيين من القرن التاسع عشر، من بينهم الشعراء الرومانطيقيون الألمان والأدباء الروس مثل تولستوي ودستويفسكي ومفكرون يمينيون عنصريون فرنسيون، أشهرهم موريس باراس (1862-1923) الذي لم يترك عبارة مدح وإطراء وتعظيم “للبسطاء “وهم في نظره من تتملكهم “غريزة الحق” ومن يشكلون “مستودع الروح الوطنية الحقيقية” و”أصحاب الفعل في مواجهة أصحاب القول من مثقفين وجامعيين لا خاصية لهم إلا الثرثرة الفارغة“[1].

كم من سياسيينا يعرف أن لويس نابليون الذي حكم فرنسا تحت اسم نابوليون الثالث (1852-1870) هو من اخترع التقنيات السياسية الحديثة مثل خُطب تمجيد الشعب والتودّد لعامة الناس بزيارة القرى والأرياف واستقبالهم في القصر، وذلك في قطيعة مطلقة مع العرف السائد قبل الثورة الفرنسية، أي عُرف تودّد الشعب للحاكم والسعي لإرضائه وزيارته في القصر، لا لتلقي التكريم وإنما لأداء فروض الطاعة؟

باستعمال لغة العصر يمكننا القول إن هذه الصورة للشعب تتنافى كليا مع صورته في “البرمجية“Logiciel التي تحكمت في عقولنا أربعة عشر قرنا. فهذه البرمجية التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا لا تَرى في أفراد المجتمع الإسلامي شعبا، أيْ جمع سيّد نفسه ومشرّع القوانين التي تحكمه، وإنما رعيّة أملها الوحيد راع صالح، أمة مؤمنين تعيش في ظل أحكام القرآن وحده والحكم الذي أقرّه (الخلافة)؛ أما قيمة كل فرد فتُقاس بمدى تقواه وإيمانه وطاعته لوليّ الأمر.

منّا من لا يزال يرفض بقوةٍ البرمجية الحديثة، مُدينا ما حملت ولا تزال تحمل من تشويش عميق في مجتمعاتنا، إذ من الصعب التوفيق بين برمجيتين متناقضتين. لكن المعركة تمّ الحسم فيها لصالح تجديد لم ولن يتوقف وكل الأمم مضطرة دوريا لتحيينٍ موجعٍ لبرمجياتها، أحبت أم كرهت، نبع التغيير من داخلها أو من ضغط خارجي.

المشكلة ليست إذًا الجذور الغربية وحتى الاستعمارية لمفهوم الشعب، ولكن ما آل إليه من استعمال في عالمنا العربي، بل وفي كل العالم الذي طبعته الحضارة الأوروبية على مدى القرنين الأخيرين، بطابع لن يمحى قريبا.

لننقّب تحت غشاء المفهوم الفضفاض عن المصرّح به وعن المخفي، وسنكتشف كيف طوّحنا به في اتجاهين على طرفي نقيض: طرف ينضح ببقايا الرؤية القديمة وبأسوأ ما فينا، وطرف معاكس ينضح بأوهام العصر وبأخطر ما فينا.

*

بعد أيام من انتخابي من طرف المجلس التأسيسي رئيسا للجمهورية، على إثر انتصار ثورة 17 ديسمبر المجيدة، دخل عليّ مختص في القانون الدستوري من عائلة عريقة ليقترح -حسب طلب المقابلة-أفكارا بخصوص الدستور المقبل. جلس الرجل أمامي وأنا ملتحف ببرنس وبر الإبل الذي كنت ألبسه قبل تعييني وواصلت استعماله أثناء وبعد مغادرتي السلطة. حدّق فيّ ابن طبقة الأحياء الراقية لا يخفي مشاعره، ثم بادرني بنبرة غلب فيها الوجع كلَّ الخنوع الذي تربّت عليه طبقته أمام أي سلطة: “لم أكن أتصور يوما في حياتي أن شخصا مثلك سيجلس على هذا الكرسي.”

المسكين! لم يتحمل صدمة رؤية رجل من “العامة” لا يخفي ولا يخجل من أصوله، على كرسي الرئاسة، ولم يستطع للحظة السيطرة على طبقيته وعنصريته وجهويته التي كان يخفيها ربما حتى عن نفسه.

فجأة تذكرت قصة حدثت لوالدي وهو طالب في أربعينيات القرن الماضي في جامع الزيتونة المعمور، رواها لي بين الاستهزاء وغضب لم يخفت عقودا، مفادها أنه سأل في حلقة الدرس شيخا معروفا من أعرق الأصول الحضرية في مسألة ما، فردّ عليه الشيخ بحدّة وقد انتبه للهجته البدوية: يا ابني لماذا لا تعود لصحرائك ترعى الجمال وتترك العلم لأهله؟

 كان الشيخ وطبقته في تلك الأيام يقسّمون ما نسميه اليوم بالشعب، إلى الخاصة والعامة وهذه الأخيرة مكوّنة أساسا من النازحين للعاصمة، طلبا للرزق أو للعلم، يسمونها “الآفاقيين”، أي الآتين من الآفاق البعيدة، من أراضي الجفاف والفقر.

اختفى هذا المصطلح من القاموس، لتستبدله خاصّةُ اليوم -وقد أطلقت على نفسها اسم “النخبة“-بألفاظ أخرى للتعريف بعامة التونسيين أو بفقراء منطقة بعينها مثل “القعر” و” الحفتاريش” و“البلغار” و”الزرنات” و”الأباش“ وال “08.” أخيرا طلعت علينا نائبة غير محترمة في البرلمان السابق بلفظ “من وراء البلايك” أي من وراء علامات الطريق التي تشير لقرًى لا يعرفها إلا من ابتلوا بالولادة والعيش فيها.

وفي كل قطر عربي تجد مصطلحات تنضح بنفس الاحتقار. قد يكون المصطلح المصري “الغلابة” أثراها وهو يجمع في كلمة واحدة مَعانٍ ثلاثا تصف عامة الناس أحسن وصف: الأغلبية… المغلوبة على أمرها… الغالبة بإذن الله عندما تنتفض لحقوقها.

وفي الماضي عرّفَت نفسُ “النخبة” هؤلاء الغلابة بالرعاع والسوقة والدهماء.

الطريف في الأمر أن تسمع البعض في تونس يحدثونك عن الأغلبية التي ينتمون إليها بتسميتها “الشعب الكريم“، من باب السخرية، لأن المغلوب يقلد الغالب كما يذكر ابن خلدون، حتى في نظرته لنفسه وهو يراها عبر عينَي الغالب. طُرفة على سبيل المثال: في إطار سياسة فتح القصر الرئاسي للمواطنين، أحدثتُ برنامجا لزيارة أطفال المدارس كل يوم أحد للقصر، واستضافة سكان الأحياء الشعبية والأرياف للغداء معي كل يوم جمعة. أذكر أن المسؤولة عن البرنامج زلّ لسانها في إحدى الاجتماعات عندما وصفت ضيوف الجمعة -مستعملة كلمة فرنسية-بأنهم “الشعب الصغير“Le petit peuple وهو المصطلح الذي تستعمله “النخبة“ الفرنسية بنفس الازدراء. لم تحافظ على منصبها إلا لاعتذار مليء بالحرج وخاصة لأنها كانت تؤدي مهمتها مع “الشعب الصغير“ كثير من التفاني.

وتبقى اللغة ماضيا وحاضرا أحسن دليل على العقليات والمواقف المخفية أحيانا بمهارة. فكلمة “الشعب الكريم“ أو “الشعب الصغير”، ناهيك عن المصطلحات الأكثر فجاجة وعدوانية، تحيل إلى شعب تدنّسه “النخبة” وهي ترميه بكل القاذورات المعنوية، تعيّره جهرا أو سرّا بجملة من الخصائص التي تتخيّلها جزءً من طبعه ومن طبيعته، مثل الجهل والكسل وقلة الأدب والخشونة والبلادة. إنها بالطبع صورة مفبركة لا وجود لها إلا في مخيّلة مريضة، لكن “النخبة” بأمسّ الحاجة إلى تعهدها وإشاعاتها حتى بين ضحاياها، وهي تبريرها الوحيد لاستحواذها على القدر الأكبر من الثروة والسلطة والاعتبار، والأمر لا يكون مقبولا إلا إذا كان وضع هؤلاء “الغلابة” نتيجةَ هذه الخصائص لا نتيجةَ ظلم وعنف وقمع الأقلية.

*

ولأننا في عالم لا يوجد فيه الشيء إلا ووُجد نقيضه، فلا نستغرب أن نجد صورة معاكسة تماما للشعب تجعل منه الكائن الذي يجب أن نَدين له بالولاء، أن نرفع مصلحته فوق كل مصلحة، أن نسعى لخدمته وبلورة إرادته، أن نرى فيه منبع كل قوة ومصدر كل شرعية، أن نجعل منه الكائن الرمزي الذي تسنّ وتطبّق القوانين باسمه، أن نصرخ من حين لآخر بصرخة فرحات حشاد الشهيرة: أحبك يا شعب.

ولأن هذا الشعب ارتقى في خيال أصحابه إلى كائن تُقدّم له الأضاحي (المسمّاة أعداء الشعب) ويُضحَّى من أجله بالروح والدم استشهادا في ساحات الحرب أو الثورة، فلا مبالغة أن نتحدث عنه كالشعب المقدّس، وهواليوم المفهوم الركيزة في البضاعة الرائجة في كل أنحاء العالم تحت اسم الشعبوية.

 كيف ينبثق مثل هذا الكائن المنزّه عن كل عيب، من كائنات بشرية نعرف كم فيها من عيوب ومن نواقص؟ لا جواب إلا بالقول إن النظام ليس مجرد الجملة الحسابية لمكوناته، وإنما هو شيء مختلف تماما؛ مما يسمح باختلاق كائن كاملٍ أجزاؤه مكونات ناقصة. ممكن، لكن هذه الصورة النمطية هي أيضا مفبركة، ولها أصول وأسباب قد لا يرغب المؤمنون بها بمعرفتها.

للتعامل الصحيح مع أي فكرة في ميدان السياسة، تفحّص طبيعة المدافعين عنها. ستكتشف في قضية الحال أنك أمام ثلاثة أنواع من الشعبويين: الخطِرين والانتهازيين والسذّج.

ما من شكّ أن أدولف هتلر هو النموذج المكتمل للشعبويين الخطِرين. فمن فرط هيامه بالشعب الألماني وتقديسه له قرّر وهو يراه يخسر الحرب ومستعد للاستسلام، بأن حبيبه المعشوق خيّب آماله ولم يكن في مستوى الصورة التي نسجها عنه، ومن ثمّ لم يعد هناك مجال لغير نحره بعد رفضه الانتحار. هكذا أمر وزيره Albert Speer بتدمير كل البنى التحتية لينقرض الشعب الألماني من الوجود (ومن حسن حظ الألمان أن الوزير رفض تنفيذ الأمر.) حالة مرضية شاذة تحصى ولا يقاس عليها! طبعا، لكن انظرْ ما عانتْه كثير من شعوبنا العربية من حكام لم يكن لفظ الشعب يغادر أفواههم إلا للمضغ والبلع، وأحسن مثال هو القذافي. من يدرس تاريخ الحركات السياسية التي انطلقت من تقديس الشعب، مثل الفاشية والنازية والشيوعية أو أنظمتنا “الثورية “لعربية في سوريا وليبيا والعراق، لا يستطيع إلا تذكر مقولة الأصمعي الشهيرة “ومن الحبّ ما قتل. “

أقلّ خطرا الشعبويون الانتهازيون. من يقف اليوم في أوروبا والولايات المتحدة وراء خطاب التمجيد المتواصل “للغلابة“والهجوم الشرس على النخبة السياسية الفاسدة التي سرقت سلطتهم بديمقراطيتها التمثيلية؟ من يدعوهم لقلب الطاولة، بالدعوة إلى ممارسة الشعب لسيادته دون وسائط، أي دون الأحزاب والانتخابات والبرلمانات؟ في كتاب مثير يصف المفكّر الايطالي Guilani da Empoli[2] الفاعلين الحقيقيين. لن تكتشف عمالا وفلاحين وعاطلين عن العمل من الشباب الفقير وإنما رجال أعمال من أصحاب المليارات وأساتذة في أعرق الجامعات وخبراء في شبكات المعلومات Big data وجيشا هائلا من الذباب الإلكتروني المكلف بتحطيم الخصوم عبر الإشاعات والأخبار الكاذبة ورفع منسوب الحقد ضد “أعداء الشعب.” هذا ما يفسّر كيف وصل إلى السلطة شخص مثل ترامب في أمريكا أو مثل أوربان في المجر أو حركة خمس نجوم في إيطاليا. وراء جعجعة الطواحين حول “الشعب “المظلوم في صراعه مع “النظام“ الظالم، لن تجد في آخر الأمر إلا ظاهرة قديمة تُظهر بوضوح أن “الغلابة” ليسوا أكثر من وقود معركة بين نخبة متمكنة ونخبة تسعى للتمكن. انظر ماذا حدث، من الخمسينيات إلى السبعينيات في بلداننا العربية، ولن ترى إلا نفس الظاهرة في ثوب وبِلغة ذلك العصر.

القاعدة التي أثبتها التاريخ هي أن وراء صورتَي الشعب المدنّس والشعب المقدس صراع “نخبة“  قديمة مستحكمة تبرّر الحفاظ على مصالحها و” نخبة” جديدة طموحة تريد أكبر قدر ممكن من السلطة والثروة والاعتبار، وفي كِلتا الحالتين يخرج البشر العاديون، سواءً حُقّروا أوعُظّموا، يدًا فارغة وأخرى لا شيء فيها.

أخيرا وليس آخرا الشعبويون المثاليون السذّج. بنفس الطريقة السطحية سيئة النية التي ألغت بها النخبة المستبدة كل الفضائل الموجودة عند عدد هائل من الناس، يُلغي هؤلاء الشعبويون بنفس السطحية -وبحسن نية عادة-كل العيوب والنواقص الموجودة عند نفس البشر. خذ مثلا كيف يتصورون حلّ مشاكل الديمقراطية التمثيلية وهي اليوم في وضع حرج في كل بلدان العالم وليس فقط في تونس ولبنان والعراق، حيث تعطي برلماناتها أبشع الصور عنها. هم يرون أن الحلّ في ديمقراطية مباشرة مما سيمكن الشعب من استعادة سلطة صادرتها الأحزاب الفاسدة وبرلماناتها “المسخ”.

من الطبيعي أن يضع الشعبويون عيوب الديمقراطية التمثيلية على قواعد اللعبة لا على اللاعبين، وشعبهم الخيالي مكوّن جلّه إن لم يكن كلّه من أفراد لهم قدر عالٍ من الرشد والإثرة والمعرفة بمصلحتهم ومصلحة المجتمع، قادرون على اتخاذ أحسن القرارات في مشاكل أخطأوا بتكليف بعض الفاسدين والعاجزين بحّلها بدلهم.

هم يتصورون أن الانتقال من قواعد الديمقراطية التمثيلية إلى قواعد الديمقراطية المباشرة (أيا كانت الأشكال التي ستتخذ) يقلل من خطورة أو حتى يلغي أي دور للسياسي الديماغوجي والإعلامي المضلل والناخب المخدوع والمواطن المستقيل والممول الفاسد والمتدخل الأجنبي، وكأن كل هؤلاء البشر إفرازات آلية لقواعد الديمقراطية التمثيلية، والحال أنهم اللاعبون المتواجدون ضرورة جنبا لجنب مع السياسي النزيه والمناضل الصادق والصحفي الملتزم والناخب الذكي. هم يؤمنون أن اللاعبين الذين أنهكوا الديمقراطية التمثيلية سيتبخرون بمجرد تغيير قواعد اللعبة والحال أنهم جزء لا يتجزّأ من اللعبة بموجب قانون لا وجود للحياة دون الموت ولا سوق دون لصوص ولا لعبة دون غشّاشين. هم سيواصلون اللعب إذن بنفس روح الغش وسيستغلون بمهارة كل ثغرات القواعد الجديدة لضرب ديمقراطية مباشرة قد لا تكون إلا مرحلة عابرة من الفوضى تمهّد لعودة الاستبداد.

*

الخلاصة أننا نجد أنفسنا ونحن نقلب مفهوم الشعب، أمام صورتين وهميتين له، إذ لا يوجد عاقل يؤمن لحظةً بأن أغلبية البشر العاديين تستأهل احتقار النخبة المتمكنة أو أنها تستأهل تأليه النخبة الساعية للتمكن.

السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذا الكلام: هل هناك شعب موضوعي شوهته هذه الصور النمطية وهل يمكننا معرفته دون أن نضيف للوهمَين وهمًا جديدا؟

نعم هذا الشعب الحقيقي موجود ويمكننا معرفته بدقة، خاصة وهو يصنع تاريخنا الحديث تحت أعيننا. إنه ما أسميه شعب المواطنين… وللحديث بقية.


شنوة رأيك ؟

like
4
dislike
0
love
3
funny
2
angry
1
sad
1
wow
2