قيس سعيد رئيس "استثنائي" لا يحترم الدستور!

قيس سعيد رئيس "استثنائي"  لا يحترم الدستور!

 

زينب بلقاسم

 

 حوالي أربعة أشهر مرت على دخول قيس سعيد إلى قصر قرطاج من الباب الواسع، بعد أن تمكن من الوصول إلى سدة الحكم بنسبة 72 في المائة في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية المبكرة التي شهدتها البلاد بعد وفاة الباجي قايد السبسي.

 

ومنذ دخوله إلى قصر قرطاج، حضي الرئيس باهتمام إعلامي واسع خصوصا وأنه حقق فوزا ساحقا على منافسه رجل الأعمال نبيل القروي دون حملة انتخابية تُذكر كما أنه كان مستقلا ودون خبرة سياسية، إضافة إلى تأكيده المستمر على أن الشباب المتطوع هو من أوصله إلى الحكم بمبلغ مالي قال إنه "لم يتجاوز الألف دينار".

 

الفوز الساحق والمفاجئ الذي حققه قيس سعيّد دون أن يُنفق فلسا واحدا على حملته الانتخابية ودون أن يفخّخ الشوارع والمفترقات بصوره الشخصية والشعارات المستهلكة، جعل منه رئيسا استثنائيا في عين من انتخبوه وتمكن بإمكانيات بسيطة وسياسة اتصالية عادية من الحصول على خزان انتخابي تجاوز الـ 3 ملايين ناخب.

 

ورغم أن قيس سعيّد قضى أكثر من عشرون عاما بين أسوار الجامعة يُدرّس القانون الدستوري واشتهر بعد الثورة بمداخلاته الأكاديمية المميزة لتوضيح أغلب الإشكاليات القانونية المتعلقة بكتابة الدستور، إلا أنه أثبت في أكثر من مناسبة أنه لا يحترم الدستور ولا يوليه أهمية كبرى وهو ما جعل المتابعون للشأن العام يرددون باستمرار أن الرئيس شخصية غامضة.

 

"إن الدستور الحقيقي هو الذي خطّه الشباب على الجدران" و "قضاء مستقل خير من ألف دستور"، هكذا فجّر قيس سعيّد الجدل وأثبت أنه لا يحترم دستور الجمهورية الثانية التي جاء بعد ثورة شعبية سقط فيها أكثر من مائتي شهيد حسب مجلس حقوق الإنسان.

 

وهنا برز التناقض والغموض في تصريحات رئيس الجمهورية وهو الذي وقف سدا منيعا قبل وصوله إلى الحكم أمام كل محاولات خرق بنود الدستور وكان يردد جملته الشهيرة "خوفي على الدستور من أن يأكله الحمار أو تأكله أتان أو حمار من سلالة الحمار الأول".

ويبدو أن خوف قيس سعيّد على الدستور وقف عند باب قرطاج ودخل وهو يحمل في جُعبته مشروعا غامضا وبرنامج عمل غير واضح، في الوقت الذي ينتظر فيه الشباب الذين انتخبوه أن يهبّ عليهم برياح التغيير بدل سياسة "التقبيل" و "الحضن" التي عرضته للسخرية وساهمت في تراجع شعبية ثقة التونسيين من 78.3 % إلى 68% خلال شهر واحد.

 

وكما أثبت قيس سعيد أنه لا يحترم الدستور أثبت أيضا أنه لا يحترم البرلمان ولا النواب الذين جاءت بهم الانتخابات، فبعد أن عادت له مهمة اختيار الشخصية الأقدر لتشكيل الحكومة إثر سقوط حكومة الجملي، ارتأى الرئيس أن يكون تعامله مع الأحزاب والكتل البرلمانية عبر رسائل تحمله إمضاؤه بدل المشاورات واللقاءات المباشرة.

 

وفي خطوة ثانية اختار قيس سعيّد المهندس والسياسي إلياس الفخفاخ لتشكيل الحكومة رغم أنه كان مرشحا من حزب وحيد وهو حزب "تحيا تونس" الذي يملكه تمثيلية ضعيفة تحت قبة البرلمان.

 

ثم إن إلياس الفخفاخ الذي ينتمي سابقا إلى حزب التكتل لم يتمكن حزبه أولا من نيل ثقة الناخبين ولم يعد يملك قاعدة شعبية أو كتلة برلمانية وازنة تحت قبة البرلمان، كما أن الفخفاخ لم ينجح في الانتخابات الرئاسية وحلّ في أسفل الترتيب ولم يتحصل سوى على 0.34 في المائة من أصوات الناخبين.

 

كما أن الرئيس لم يخف منذ البداية نيته في حوار له نشر في "الجزيرة نت" قبل فوزه في الانتخابات الرئاسية، اعتبر فيه "أن نظام الحكم في تونس وضع على المقاس، مشيرا إلى أن لديه مشروع يتمثل في إنشاء مجالس محلية بحساب نائب عن كل عمادة، لكن لا يتم قبول الترشح إلا بعد أن تتم تزكيته من قبل عدد من الناخبين والناخبات مناصفة، ويتم الاقتراع على دورتين، المهم أن يتولى المجلس المحلي وضع مشروع التنمية في مستوى الجهة"، وهو ما جعله في مرمى الانتقادات الحادة.

 

إلى جانب ذلك، فإنه لا يمكننا أن ننسى الدعوة التي وجهها رضا شهاب المكي المعروف بـ "رضا لينين"، لرفيق دربه قيس سعيد طالبه من خلالها بضرورة إجراء استفتاء شعبي لتغيير نظام الحكم في ظل الأزمة السياسيّة التي تعيشها تونس.

 

ويبدو أن رضا لينين فاته أن هذه الدعوة صعبة التحقيق لأن دستور الجمهورية الثانية يفرض قيود بخصوص هذا الإجراء، وبطبيعة الحال هذه القيود يعرفها جيدا رئيس الجمهورية قيس سعيّد بصفته أستاذا في القانون الدستوري.

 

 وحسب الفصلين 143 و144 من دستور 2014، فإنه لا يمكن تغيير نظام الحكم أو تعديل الدستور إلى بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس نواب الشّعب ووجود محكمة دستورية.

  

وإلى جانب ذلك، فإن قيس سعيّد حكم تونس لأكثر من مائة يوم دون أن يوضح إلى حدود اللحظة برنامجه مكتفيا بتكرير شعار "الشعب يريد" إضافة إلى تركيزه على توضيح تصوره لنظام الحكم في تونس ونقده له باستمرار حيث قال في تصريح سابق إن"نظام الحكم الحالي الذي يقوم على الأحزاب نظاما عاجزا عن تحقيق أهداف التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية التي ينشدها المواطن في تونس".

 

ويدعمه في هذا الموقف شقيقه الأستاذ في القانون الدستوري وفل سعيّد الذي خرج عن صمته قبل أيام وهاجم بشدة نظام الحكم في تونس معتبرا أن الوضع الحالي في تونس "وضع مرضي لا يمكن البقاء فيه".

 

وأضاف نوفل سعيّد أنه "من غير المعقول أن يتدخل رئيس الجمهورية لحل أزمة تسبب فيها البرلمان ثم تعود الحكومة إلى البرلمان الذي صنع الأزمة لمنحها الثقة".

 

وأبرز سعيد في حوار مقتضب مع إذاعة "شمس أف أم"، أن "هذا الأمر فيه الكثير من الريبة والمجازفة باستقرار مؤسسات الدولة"، وأنه "لا يعقل أن يقتصر دور رئيس الدولة على الحكم فنلجأ إليه عند حدوث الأزمة ثم نصرف وجوهنا عنه بمجرد أن يعيّن رئيس حكومة جديد".

 

يبدو أنه آن الأوان لرئيس الجمهورية أن يكشف بكل وضوح عن برنامجه الذي وضعه للعمل به خلال السنوات الخمس المقبلة في الوقت الذي تغرق فيه البلاد في أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، عوض "التحرش" بالدستور والسعي لتغيير نظام الحكم، كما أنه مطالب بالوقوف عند تصرفات مستشارته الإعلامية التي زادت من "غربته".


شنوة رأيك ؟

like
1
dislike
0
love
2
funny
4
angry
0
sad
1
wow
0