أبو يعرب المرزوقي : قيس سعيّد أداة في يد إيران و فرنسا

أبو يعرب المرزوقي :  قيس سعيّد أداة في يد إيران و فرنسا

لا أتجاهل المثل التونسي "المتفرج فارس".
لكن لا توجد قاعدة تخلو من استثناءات.
سأعتبر نفسي متفرجا دون ادعاء الفروسية.
أي إني سأجيب عن سؤالين:
1-الأول: كيف أمكن تغيير الدستور التونسي الحالي من برلماني معدل إلى رئاسوي ومن المسؤول عن ذلك؟

2-الثاني: كيف أمكن تغيير الدستور التونسي السابق من رئاسي مدى الحياة بواجب النص إلى رئاسوي مدى الحياة بواقع الامر ومن المسؤول عن ذلك؟

وقبل الجواب عن السؤالين أريد أن أقول إني أعلل استقالة الأستاذ الجبالي والاستاذ الجلاصي وانسحاب الاستاذ مورو وخسران النهضة ثلثي قاعدتها بين الانتخابات الأولى التي تشرفت بالمشاركة فيها والانتخابات الأخيرة بما حصل للسياسة إذ تحولت إلى دروشة هي التي تفهمنا الإشكالية التي صغتها في السؤالين اللذين وضعتهما هنا.

وبهذا المعنى فإن ما سأقوله سيعتبر في أدنى الاحتمالات نارا صديقة ضد النهضة وفي أقصاها قطيعة نهائية مع قياداتها التي اعتبرها تخلط بين السياسة والدروشة واحملها مسؤولية الانقلابين.
وذلك هو ما يمكن أن يوصف بعبارة "المتفرج فارس" لأن التشكيك في رؤيتي من أيسر الامور لأنها كلام من ليس سياسيا محنكا - أي كبير الاحناك - ولا عضوا معتقا في النهضة.

فقد كنت دستوريا في شبابي ثم غادرت السياسة بعد أن رايتها تحولت إلى دروشة في الحزب البورقيبي - والمرحوم معذورا لأنه فقد كل مؤهلاتها العقلية وحتى البدنية - ولأن من حاولوا الخروج عليه لتحرير تونس من مآلها إلى نظام ابن علي.

فقد دخلوا هم أنفسهم في تنافس رايناه فد ساعد ابن علي على تحقيق خطته وكان للإسلاميين فيها نفس الدور الذي كان لهم في وصول سعيد .
فمثلما استغلهم ابن علي سلبا استغلهم سعيد إيجابا أي إنهم أوصلوا الأول سلبا بدروشة ضد بورقيبة وهو شبه ميت واصلوا الثاني إيجابا أي إنهم ضد الفساد واختاروا الأفسد.

صعدوا ابن علي لما أظهروا قوتهم في أول انتخابات شاركوه فيها بدروشة لا نظير لها وبمنطق دخلني نخرجك
وصعدو قيس في أول انتخابات شاركهم فيها بنفس الدروشة التي لا نظير لها بمنطق دخلوه فأخرجهم:
لذلك فابن علي الثاني أكثر خطرا على تونس من الأول.

فهو دونه لأنه مثل بلحة حتى وإن لم يكن قائد الجيش. فبلحة أداة إسرائيل وامريكا والثورة العربية المضادة.
وقيس أداة إيران وفرنسا والثورة العربية المضادة.
ولذلك فالعلاقة بينهما متينة ولولا الفرق الوحيد الذي يوجد بين الجيشين التونسي والمصري لحصل في تونس بالانقلاب الجاري الآن فيها على قدم وساق ما قد يوصل إلى ما بدأ به الانقلاب في مصر.

ولم أقدم على كتابة هذا النص لو لم أكن قد بت أخشى على أن المآل الذي تخطط له فرنسا وإيران والثورة المضادة العربية بفرعيها التابع لإيران وروسيا والتابع لإسرائيل وفرنسا هو محاولة الانتقال من توريط النخبة السياسة إلى مد اليد إلى ما هو أبعد وتوريط أجهزة الدولة المدنية والعسكرية في اللعبة السياسية التي قد تخرب تونس تخريب بلحة لمصر.

كل هذا ليس سيناريو خيالي فهو بات أمرا مؤكدا من علامات وقرائن أريد ذكرها دون دخول في التفاصيل:
1-خطاب قيس: لم يبق غامضا بل أصبح يعبر عن مشروع معاد للدستور والثورة
2-محيط قيس: كله معاد للثورة ولثقافة الوطن فهو شيوعي وشيعي وفرنكفوني.
3-سلوك قيس الفعلي في علاقات تونس الدولية وخاصة في العلاقة بفرنسا والثورة المضادة بفرعيها التابع لإيران وروسيا والتابع لإسرائيل وفرنسا التي تعوض أمريكا في المغرب.
4-خطاب الاقلية الحاكمة لأن النهضة لا وزن لها في الحكومة بل إن وزراءها شواش عند عبو والفخفاخ.

وكل عنتريات الإصلاح التي يحاولونها ستفشل إلا في تقوية العدوات مع من يريد الحكام الفعليون ربحهم في معركتهم للقضاء على الإسلام السياسي أي النهضة ولن ينجح منها إلا ما سيكون خراجه لعبو والفخفاخ وليس لتونس لأنه لن يمر إلا ما لا يمس المافيات الكبرى التي تسندهما .

5-الموقف مما يجري في ليبيا وهو موقف زاده غباء القيادة الجزائرية وجبنها قوة لأن منكافات الجزائر مع المغرب وقوة الحركيين فيها تجعلها تبحث عن دور باللجوء لنفس الخرافة التي يستعملها قيس أي اعتبار ليبيا بلدا متخلفا تحكمه القبائل وهي عند من يعرف التاريخ أكثر تقدما من تونس والجزائر.

ولو تعاملنا مع تونس والجزائر بنفس المنطق لانفرط عقدهما لأن القبلية في ليبيا ما زالت مشتركة في المرجعية الإسلامية ولم تصل إلى صدام الحضارات الذي تعيشانه أعني الصراع بين الفرنكوفونية العربوفونية والأمايزغوفونية والمالطوفونية أي إنها ليست قبلية عرقية فحسب بل هي قبلية ثقافية وجهوية وطبقية وخاصة مع فقدان للوعي بالهوية الجامعة.

ولأجب الآن عن الاول:
كيف ساعدت الدروشة انقلاب ابن علي سلبا

هل كانت قيادات النهضة لا تفهم أن انقلاب ابن علي كان قطيعة مع الدساترة وأنهم صاروا مثل الإسلاميين منبوذين؟

وقبل ذلك هل يمكن أن نسمي سياسيا من لم يفهم أن عهدة المرحوم محمد مزالي كانت بداية مصالحة فعلية بين الإسلاميين والدساترة؟

وهل من يفهم ذلك كان يقدم على كل المزايدات بعد ضرب مشروع محمد مزالي وهشاشة الحزب الدستوري إثر ما مر به من مناورات الحرب على وراثة بورقيبة قبل الانقلاب لا يستنتج أنها كانت تعني مساندة ابن علي ولو سلبيا في استراتيجيته الهادفة إلى تقديم نفسه على أنه منقذ للدساترة حتى صار وزيرا أولا وحقق انقلابه؟

ألم يكن يشجعهم على المبالغات في الثورية حتى يحسن منزلته في معركة وراثة بورقيبة - وقد كان زميلي المرحوم الزرن في ابن شرف - قد اعلمني بأن المظاهرات الإسلامية كانت تنتقل من مكان إلى مكان في لعبة القط والفار بما يشبه الاعلام المسبق بكيفية الملاعبة؟

هل يعقل أن يكون سياسي يفهم معنى السياسة وليس درويشا لا يفهم أن أحدا ما كان يريد ركوبهم لغاية في نفس يعقوب؟

وبعد أن تم الانقلاب ألم يكن بينا لكل ذي فهم سياسي أن ابن علي لم يحكم بالدساترة إلا شكليا لكنه حكم باليسار والقوميين أي بأعداء بورقيبة؟

هل كان النزول بقوة في انتخابات 91 دليل حكمة سياسية أم دروشة دالة على السذاجة و"الزربة" التي جعلته يشعر بخطرهم على حكمه فأصبح مباشرة أكثر ميلا لاستخدام اليسار والقوميين في حربهم عليهم؟

هل كان البورقيبيون يقبلون تعيين اليساريين والقوميين في الداخلية وحتى في الجيش وفي المناصب الحساسة في الإدارة السياسية للبلاد وخاصة في التربية أو في الثقافة أو في الاقتصاد؟

ألم يكن كل ذلك دليلا كافيا بأن كل مزايدات على النظام مآلها توطيد الحرب على البورقيبيين وتمكين اليساريين والقوميين كما حصل خلال حكم الترويكا والهجومات المجانية على بورقيبة؟

هل كان في عهد البورقيبيين يمكن لمحمد الشرفي أن يعين وزيرا للتربية لينتهج سياسة تجفيف المنابع الفاشية واليساروية ومعه مجموعة من الجامعيين القوادة ممن كانوا يتصورون تعاوني مع فريق المرحوم مزالي سذاجة مني وتعاملهم مع الكابورال وليلاه ذكاء وفهم في السياسة والأخلاق؟

ألم يذهب الشرفي إلى حد اتهام بورقيبة في كتابه الإسلام والحرية بأنه لم يكن ثوريا ولا علمانيا بما فيه الكفاية؟
ألم يذهب إلى حد تقديم خدماته لقائد الحملة الصليبية بعد 11 سبتمبر في رسالة له نشرت في صحيفة أمريكية شهيرة أعطاني نسخة منها الأستاذ نجيب الشابي في مكتبه؟

فمن علامات الدروشة عدم القدرة على تقدير درجات العدواة والصداقة واستعمال سياسة المرحوم ياسر عرفات في استبدال الولاء للقضية بالولاء للقيادة بحيث إن كل من يريد أن يركب النهضة يتملق قيادتها فيصبح وزيرا ويكون أول من يحاربها بعد الوصول ويصير زعيما في حزبه

الجواب عن السؤال الثاني:
من ساعد قيس على الانقلاب على الدستور؟

قبل ذلك من ساعد على انقلاب الشاهد على المرحوم السبسي؟
ومن شارك في شيطنة القروي والسكوت عن سجنه بحجة عدم دفع الضرائب في حين أن الذي سعى لسجنه كان لصا محترفا استعمل كل أجهزة الدولة لتكوين حزب من عدم؟

نفس الزربة ونفس الدروشة.

لما كتبت رسالتي المفتوحة إلى السبسي كان هدفي شكره على وطنيته لأنه رفض ما يحققه دمية قرطاج حاليا بل أكثر من ذلك رغم أنه كان يمكن أن يحكم وحده أو مع اليسار بعد انتخابات 2014 فضل تشريك النهضة ولو رمزيا وكان في كل جولاته في الملتقيات العالمية الكبرى يدافع عن تحقيق الصلح العميق بين التيارات السياسية التونسية ولم يستثن النهضة والإسلاميين عدى من يستثنيهم منهم كل ذي عقل.

ولما لقيته بطلب منه كان كلامه فيه بعد نظر هو عين ما توقعته منه لانه كان على بينة مما كان يعد له من غدر من اليساريين والقوميين الذي صارت النهضة وحتى الائتلاف يعتبرانهم
ثوريين وهم أعدى أعداء الثورة
ونظاف وهم أكثر فسادا من القروي
أما سعيد فقد كان عندهم أقرب إلى مقام الولي الصالح الذي يتبركون به.

ونأتي الآن إلى نكبة النكبات.
مباشرة بعد الانتخابات طلبت الأخ الجلاصي والتقينا وكان معي ابني يعرب.
وبعد كلام عام وصلنا إلى أن النهضة تريد أن تحكم.
وكنت قد كتبت في اليوم الثاني لوفاة المرحوم السبسي بأن النهضة لن تحكم بعد الآن أو ستكون إن شاركت في الحكم أكثر تبعية مما كانت مع السبسي.

فكل الأحزاب التي نشأت بعد الثورة إنما أنشئت للحرب على الإسلاميين وأنشأتها الثورة المضادة بفرعيها وما كان يلغي فاعليتها هو وجود السبسي وتلك علة رسالتي له.
وهي لم تتعدد إلا لضرب السبسي تمهيدا لضرب النهضة.
وتلك هي غلطة العمر التي جعلت الغنوشي يتحالف مع الشاهد بنفس المنطق:
الزربة التي ليست خاصية مرزوق وحده.

لذلك كان كلامي مع الاخ الجلاصي مداره خليتان:
إما أن النهضة تطالب بحكومة وحدة وطنية حتى تستطيع تكوين حكومة لا يستثنى منها الحزب الثاني
أو تبقى في المعارضة معه
وإلا فسيعزلون القروي حتى يجبروه على المساعدة في ضرب النهضة مقابل القبول به في الحكم.

واذكر أن الأخ الجلاصي وإن لم يبدي رأيه في تحليلي إلا أنه أكد أن الجماعة في النهضة مصرون على الحكم وعلى استثناء القروي وكتلته والحكم مع "الثوريين" أي البسكلات والبراميل.
وتلك هي غلطة العمر إذ إن الأحمق يعمل في نفسه أكثر مما يفعل به عدوه

فهم في الحقيقة أصل حكومة الرئيس النظيف العفيف وليس هذين الحزبين اللذين استفادا من الفكرة وطبقاها.
ذلك أن رفض القبول بكتلة القروي في الحكومة والاقتصار على انتخاب رئاسة المجلس يعني بصورة واضحة تفكيك حزبه وميل من كانوا يطمعون في الحكم مثلهم إلى الخروج منه والذهاب إلى الصف الثاني الذي كانت استراتيجيته استرداد قاعدته.

وإذن فما كان ذلك ليحصل لو كان السبسي حيا لأن فضيحة الانتخابات وإدارتها هي التي حتمت هذه النتائج.
فقد صار الجميع ثوريا ومحاربا للفساد.
وصار حزب البسكلات وحزب البراميل يعتبر من الثوريين ومن النظاف والعفاف
ولم يبق للفساد ممثلا إلا بحزب القروي.

فصار الجميع يقسم ألا يحكم مع القروي وأنهم جميعا ينضوون تحت جناحي الإمام المعصوم سعيد.
فشل النهضة في تشكيل الحكومة لا أحد مسؤول عنه غير النهضة والائتلاف لأنهما هما من استثنيا حزب القروي فجعلا حكومة الرئيس التي خطط لها من نصب سعيد ونظم صف الحرب على الإسلاميين أمرا محتوما.

دخول النهضة لهذه الحكومة وتعليله بمصلحة تونس لا يصدقهما عاقل.
فمصلحة تونس ليست في نصب الفخاخ للذات بالدروشة ثم الزعم بأن ذلك من الاكراهات السياسية.
فما قبل باعطاء بعض السترابونتات للنهضة إلا للحاجة إلى من سيحملونه الفشل الحتمي مسؤوليته كما فعلوا طيلة العقد السابق.

والكلام الأن على حكومة الوحدة الوطنية ماء وجه لا معنى له.
أولا الحاكمون حاليا واثقون من أنهم في غنى عن أصوات النهضة لأن عبير ستدخل الحكومة مباشرة بعد خروجهم ولأن من خرجوا من حزب القروي سيعوضونهم ولأن الهدف من عزل النهضة يكون حينها قاب قوسين أو أدنى اللهم إلا إذا حسمت معركة ليبيا لصالح الثورة فيها.

والحصيلة:
نحن أمام وضعية صارت السياسة فيها دروشة وصارت الاخطاء والهزائم صوابا وانتصارات تماما كحال كل الزعماء العرب الذين كلما خسروا معركة اكتفوا بالفهلوة وتسميتها
بالاسماء الاضداد.

اليوم نحن أمام حقيقة مضاعفة لا جدال فيها:

1-الأولى هي تحقق الانقلاب السياسي التام على الدستور لأن رئيس الحكومة صار وزيرا أولا ورئيسا غير مسؤول أمام المجلس بل أمام الرئيس ما يعني أن النظام صار رئاسيا بل ورئاسويا لأن الحكومة الفعلية توجد في قرطاج.
2-الثانية هي تحقق الانقلاب المرجعي التام على ثقافة تونس لأن الحكومة التي توجد في قرطاج وأذيالها في القصبة ليست تونسية في شيء.

فحكومة قرطاح الأصلية بيد اليسار والقوميين والمتشيعين والماركسيين ومرجعيتها إذن لا علاقة لها بثقافة تونس.

وحكومة القصبة الفرعية بيد متجنسين لأن نصفها فرنسيو الجنسية وبيدهم كل ما هو جوهري في سياسة الدولة .

وكلتا الحكومتين تابعة للمقيم العام الإيراني وللمقيم العام الفرنسي بتمويل من الثورة العربية المضادة بشقيها التابع لإيران وروسيا وإسرائيل وفرنسا.

وختاما هل معنى ذلك أن الفوت قد فات؟
لا أبدا:
فالذي حصل ولعله من مكر الله الخير أو بلغة العلمانيين والهيجليين من مكر التاريخ الحكم النهائي في عرفهم لم يكن في الحسبان.
لم يعد ساكن قرطاج الولي الصالح بل تبين أنه العميل الطالح.
وهذه عندي بداية الوعي باعماق الثورة التي حدثت منذ عقد ولم يكن الشعب مدركا لأبعادها العميقة.

لعل الكثير من القراء يذكرون ما كنت أقوله:
الثورة التي بدأت في تونس ليست ثورة سياسية فحسب بل هي ثورة روحية.
وهي بداية الوعي بأن المطالب المباشرة لا معنى لها من دون عوائق تحقيقها التي ينبغي أن تكون مقدمة عليها.

اكتشف الشعب وخاصة الشباب الذي خدعه سعيد ودروشة الزعماء أن تونس ما تزال مستعمرة فرنسية.
وجاءتهم الشهادة بتلطيف سعيد إذ اعتبرها محمية.
وهو محق لأن ما لم يزل محمية هم حكامها العملاء مثله. وهذه النتيجة عندي أهم من كل ما ذكرت وقد تكون الدروشة قد سرعت في الوعي به لأن الأخطاء مفيدة في تاريخ الشعوب الحرة.


شنوة رأيك ؟

like
3
dislike
0
love
1
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0