أبو يعرب المرزوقي : قيس سعيّد يخوض حربا طائفية في تونس

أبو يعرب المرزوقي : قيس سعيّد يخوض حربا طائفية في تونس

هل أصبحت تونس أكثر أمنا بعد اجتماع مجلس أمنها أمس أم هي بعد كل اجتماع لهذا المجلس منذ الانتخابات الأخيرة تفقد أحد مقومات أمنها؟ وسأبدأ فأعرف مقومات الأمن ما هي وما هما قيمتاها إذا اعتمد التقييم على حالتي السلم والحرب.

لكن قبل ذلك ماذا أقصد بـ"الكورنيتان الجديدتان" اللتان أنسبهما إلى خطاب الرئيس:

1-الكورونا الأولى هي الفتنة السياسية:
فعندما يمتليء كلام الرئيس بالتهم الموجهة إلى ما يبدو مبنيا للمجهول الكل يعلم من المقصود بها. لأن من حكم تونس أساسا حزبان اثنان هما النهضة والنداء. وهو حليف بقايا النداء حاليا مع ذيليهما أي حزب البراميل وحزب البسكلات. ما يعني أنه يتهم النهضة التي يعتبرها خصمه الوحيد. وما أظنني بحاجة لبيان ذلك. ولا يمر يوم دون أن يزداد الأمر وضوحا للجميع.

2-الكورونا الثانية هي الفتنة الاقتصادية:
وعندما يتكلم على حماقة الصلح الجزائي الذي يدعي اقتراحه لما كان نجم اعلام عبد الوهاب عبد الله فإنه لا يميز بين كلام ثرثار لا سلطان له كان يستدعى ليتفاصح بما لا يعد فصاحة إلا عند الأميين والعامة وكلام "رئيس دولة" يمكن أن يعتبر كلامه حربا على ما بقي من رأس المال الوطني.

فكل الذين تعلق بهم ما يشير إليه لم يبقوا على ما يمكن أن يناله تخريفه. فهم تبخروا مع النداء وصاروا وراء حلفائه لأن حلفاءه لم يصبحوا ذوي وجود سياسي إلا بهم وهم لن يفرطوا فيهم ومن ثم فهو لا يقصد من قد يفهم من كلامه إذا قرأناه على ظاهره: حكم جريمة الحرب يعني التجار والفلاحين والوسطاء الصغار ولا يمس الحيتان الكبار.

والفتنتان في لحظة حرب عالمية على كورونا تنزعان سلاحي تونس ودعامتي صمودها المتبقيتين وتجعلانها فاقدة لكل شروط المقاومة: الرئيس يضرب المناعتين السياسية والاقتصادية. فإذا أضفنا أن وجوده بمجرده قد ضرب "المناعة العقلية والمعرفية" لراس الدولة لأنه مخبول وجاهل فإن ما أريد الكلام عليه وأعني به مقومات أمن الجماعات في حالتي السلم والحرب قد صار في خطر قاتل.

وأبدأ بحالة السلم: لأنها هي التي تعد الأمم إلى حالة الحرب بالتوقع الذي هو شرط أمرين: ضمان الوقاية وضمان الاستعداد للعلاج. وكلما كانت الوقاية جيدة أمكن للأمم الاستعداد لعلاج ما قد لا تتفطن له الوقاية أو لم تستطع منعه. فالوقاية توفر الكثير للعلاج لأنه تحصر قلة من الأدواء فيسهمل التغلب عليها.

ففي السلم يمكن اعتبار الوقاية مقدمة على العلاج فتكون الجماعات قادرة على بناء مؤسسات لقوامة حمايتها ورعايتها وتلك هي الدولة من حيث هي نظام المؤسسات التي لها قوامة إرادة الامة بمعناها في كل العصور. فالدولة هي نظام المؤسسات التي تمثل إرادة الجماعة في قوامة وظائفها العشرة:
خمسة للحماية.
وخمسة للرعاية.

فقوامة الحماية نوعان كلاهما مضاعف مع أصل يجمع بينها:
قوامة الحماية الداخلية التي هي القضاء والأمن.
وقوامة الحماية الخارجية التي هي الدبلوماسية والدفاع.
والأصل هو ما من دونه لا يمكن لهذه الحمايات أن تتم أعني نظام الاستعلام والاعلام السياسين حتى تكون قوامة الحماية على علم وتكون الجماعة على علم بقوامة دولتها على تحقيق إرادتها في الحماية.

وقوامة الرعاية نوعان كلاهما مضاعف مع أصل يجمع بينها:
قوامة الرعاية التكوينية التي هي التربية النظامية.
والتربية في قسمة العمل الذي يشارك فيه خريجو التربية النظامية وهو النسيج الاجتماعي الذي يستكمل فيه الإنسان تكوينه طيلة حياته.
ثم القوامة التموينية التي هي الانتاج الاقتصادي لسد الحاجات المادية
والانتاج الثقافي لسد الحاجات الروحية علوما وفنونا.
والأصل هو ما من دونه لا يمكن لهذه الرعايات أن تتم أي نظام الاستعلام والاعلام العلميين حتى تكون قوامة الرعاية على علم وتكون الجماعة على علم بقوامة دولتها على تحقيق إرادتها في الرعاية.

والسؤال الذي كلنا يعلم جوابه هو أن الجماعة التونسية تعلم جيد العلم وبيقين أنه لا واحدة من هذه الوظائف العشر -لا هي ولا قوامتها- بحاصلة على الحد الأدنى في زمن السلم ناهيك عنها في زمن الحرب. ومن ثم فالوقاية شبه منعدمة ما يجعل العلاج شبه مستحيل في زمن السلم ناهيك عنه في زمن الحرب.

فإذا أضفنا الآن هذين الفتنتين ليس في زمن السلم فحسب بل الآن في زمن الحرب على كورونا أعني الفتنة السياسية التي تحول دون الحمايتين والفتنة الاقتصادية التي تحول دون الرعايتين فإن تونس بخلاف غيرها من الدول لن تكون في حرب واحدة ضد كوورونا الطبيعية بل هي ستعاني من كورينيتي سيعد ومن سعيد الذي هو نكبة اللحظة الحالية التي "جابها الشعب لروحه".

1-فإذا بقيت الطبقة السياسية مكتوفة اليدين أمام حرب سعيد على الثورة وعلى دستورها بدعوى محاسبة الذين حكموا في العقد الماضي حتى يحقق مشروعه.
2-وإذا بقيت الطبقة الاقتصادية مكتوفة اليدين أما الجهل بقوانين الاقتصاد وتهديد الطبقة المنتجة من أرباب العمل ومعهم حتما العمال.
3-فينبغي أن نقرأ الفاتحة على تونس: لن تخرج من هذه الأزمة من دون الانهيار النهائي لكل المؤسسات وعموم الفوضى التي تشبه ما أوصل إليه القذافي ليبيا وما أوصلت اليه مليشيات الملالي العراق وسوريا ولبنان واليمن من حال جعلها تصبح مزبلة الحرب الطائفية والطبقية التي يعد لها سعيد ورفيقه.

وهكذا فتونس ستعرف قريبا مطلق الافلاس لأن كل من له شيء يخاف عليه إما سيهربه أو سيخفيه لأن أحمقا يقول ما لا يقال حتى في زمن السلم ثم يصحح كلامه بما يؤيد قصده بعد أن أخرج من فيه ما سيحول دون أي إمكانية لتحقيق تضامن الجماعة الوطنية.

فالتحريض لم يعد مقصورا على خصم سياسي بل هو دعوة إلى حرب طبقية مبطنة. وطبيعي أن يكون ذلك كذلك فمشروعه يتضمن البعدين: فليس بالصدفة أن كان له رفيق ماركسي. اجتمع الباطني والماركسي. والأول لا يمكن ألا يبحث عن حرب طائفية والثاني لا يمكن ألا يبحث عن حرب طبقية.

تلكما هما الكورينيتان: الحرب الطائفية والحرب الطبقية. وهما بعدا مشروع الدستور الذي يدعي أنه وجده مكتوبا على الجدران -وهو ترجمة سياسية للكتاب الاخضر وترجمة اجتماعية للكتاب الاحمر -والذي كلما اجتمع مجلس الأمن دار كلام الرئيس ضمنا أو تصريحا حوله. وهذا الدستور مشحون بالبعدين: حرب طائفية حرب طبقية.


شنوة رأيك ؟

like
3
dislike
0
love
0
funny
1
angry
0
sad
0
wow
0