أبو يعرب المرزوقي : ما يحدث اليوم هو تحالف بين مقيمين عامّين وسينتهي بانقلاب في 2024

أبو يعرب المرزوقي : ما يحدث اليوم هو تحالف بين مقيمين عامّين وسينتهي بانقلاب في 2024

لن أتكلم على ماقبل ما يسمى بالاستقلال. فحينها كانت تحكمها معاهدة الحماية وما يشبه العرف الموروث الجامع بين أعراف الحكم في عهد الخلافة الغالبة على الدستور الرسمي الذي تمثله الشريعة.

ما أنوي الكلام عليه هو منذ الاستقلال إلى الآن: رسميا عندنا الدستور الاول الذي الغته الثورة ثم الثاني الذي الغته الكورونا. وبينهما مراحل كلها خارجة عن كل دستور:

1-التلاعب بالأول حتى نهايته: بدأ مع بورقيبة وانتهى مع الزين.

2- ثم التلاعب بالمراسيم حتى نهايتها: بدأ مع المبزع وانتهى مع الترويكا.

3- ثم التلاعب بالدستور الصغير حتى نهايته: بدأ مع الترويكا وانتهى مع الرباعي.

4- ثم التلاعب بالدستور الحالي حتى نهايته: بدأ مع السبسي وانتهى مع قيس.

5-وإذن فالنتجية هي أن تونس ما زالت في ما قبل الاستقلال مع فارقين.

فالحماية متواصلة في الواقع رغم زعم الاستقلال.
والعرف الغالب متواصل رغم زعم تغير التشريع من ديني إلى مدني.

ولكن ذلك كله ليس إلا ظاهر الأقوال على القانون الذي يزعم أساسا لتسيير البلاد. وفي الحقيقة ما سأقوله صحيح على جميع الدول في العالم إذا اخذ على العموم دون تحديد الدرجة والمعنى. ذلك أن الفارق الذي يحدد الدلالة التي نريد إيضاحها يجعل قضية العلاقة بين القانون في الاقوال والقانون في الافعال أشبه بالعلاقة بين فصيح الكلام وعاميه في الألسن:

1-توجد دائما مسافة بين الفصيح والعامي لكنها تتضاءل في المجتمعات التي يقترب واقعها من مثالها بالتدريج خلال تعميم التواصل المعرفي والقيمي فتسمو العامية في صعود نحو شكل الفصحى وتدنو في نزول نحو المضامين الحية للشعوب في الكلام الحي. فتقارب اللغة والكلام ويصبح التواصل سويا.

2-وتوجد دائما مسافة بين القانون والسياسة في المجتمعات التي يقترب واقعها من مثالها بالتدريج خلال تعميم التبادلين الاقتصادي والاجتماعي فتسمو الجماعة في صعود نحو شكل القانون وتدنو في نزول نحو الأعراف الخلقية الحية للشعوب في العيش المشترك. فيتقارب الاقتصادي والاجتماعي ويصبح التعاوض عادلا.

لكن ما يحدث في تونس -وربما في كل بلاد العرب-هو عكس هذين الأمرين:

1-فاللغة تكاد تموت إذ أصابتها الهجنة فلا هي تجودت شكلا ولا هي خاصة صارت حية مضمونا بل هي "تملطت" (مالطة) بحيث إن التونسي صار عييا حتى أصبح أفسد استعمال للعربية -ويمثله دمية قرطاج- يعد من الفصحى في حين أنه دون العامية جودة شكل ناهيك عن حياة المضمون.

2-والقانون أصابه "التمفيز" حتى صار هدفه الأول والأخير عكس كل القوانين في العالم المتحضر أي أنه يعمم الطلاح ويلغي الصلاح. فتقديم العاجل على الآجل واستعمال البريكولاج القانوني يجعل ما يسمى قانونا أفضل أدوات المافية والتحيل.

فماذا عرفنا في سنوات الباحي الخمس ؟ استعمل وزيرين أولين كلاهما ليس منتخبا وليس له قوة سياسية ممثلة في المجلس. إذن القصد من البداية كان منع تطبيق الدستور الذي يزعم ثانيا.

ولما ارادا الخروج الوزيرالاول عن الطاعة ليصبح رئيس حكومة نجح الباجي بالانقلاب عليه باستعمال ما سماه خطة قرطاج 1. كلنه فشل في التصدي لانقلاب الثاني ولم تمر خطة قرطاج 2.

فالوزير الأول الاول لما اراد أن يتقمص شخصية رئيس الحكومة خذله المجلس وتآمر عليه النواب وشاركت النهضة سلبيا. لم يجد من يساعده على حماية هذا الدور فسقط.

ومعنى ذلك أن المجلس هو الذي ساهم في الانقلاب على أهم أدواره أن يكون هو أصل الحكم وليس قرطاج. شارك النواب في التخلي عن مهمتهم ترضية لقرطاج كما يفعلون الآن تقريبا.

والوزير الأول الثاني -وهو منظم الانقلاب على سلفه لأن زعماء الانقلاب صار عين المستشارين المقربين- غطي على انقلابه بدعوى التصدي لما حدث لسلفه.

فوجد في قيادة النهضة من ساعده على الانقلاب-لغفلة هم الآن ضحيتها. وكم حاولت التنبيه لذلك في الإبان ولم أكن الوحيد. فلا أحد له ذرة من عقل يفتح الباب لمن يعلم أنه ضرب أهم شرط لتغيير الاغلبية من دون انتخابات تمهيدا لما بعد الدورة الجارية.

ساعدته قيادة النهضة طمعا في مقاسمته الحكم"فلم الملمة واللي ثمة" وخلق من عدم قوة سياسية أنهت الثورة والديموقراطية: عادت المافية بقوة تفوق ما كانت عليه حتى في عهد ابن علي.

وكل ما يجري حاليا هو تخطيط ذلك الانقلاب الذي يعد لـ2024 بعد أن تعطل المشروع بدخول "مقيم عام جديد" على الخط هو الذي أوصل قيس: الحاكم الفعلي حاليا هما المقيمان العامان وأداتاهما هما الشاهد وقيس.

ما يجري حاليا هو الحلف بين المقيمين العامين والاداتين. ولا أعتقد أنه سيقع صراع بين دميتهما. فالنموذج اللبناني شاهد على الحل المتوقع بينهما: بين رئيس لبنان وحزب الله. عينا وزيرا أولا يعلمان أنه لا يستطيع إلا أن يكون ذارعا لهما لأنه ليس له حزب ولن يتركاه يكون حزبا ثم كونا حكومة:

1-باطن سلطانها بيد حزيبين ذريين مؤلف من "ذري" لدى المقيمين العامين.

2-وظاهرها تكبيل الخصم بابقائه تحت المراقبة وتحميله كل فشل يحصل لهما باعتباره معطلا (النهضة).

3-وخطتها المسقبلية تفتيت قوة الخصم الثاني لعزل الاول لئلا تقوى جبهة المعارضة (قلب تونس).

4-في انتظار تثبيت الوضع لأن كورونا قد تفسد عليهم كل الخطة رغم أنها الآن اعطتهم فرصة فرض التفويض.

5-لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه. فقد تحسم الأمور في ليبيا وسوريا بصورة لا يتوقعها المقيمان العامان.

وعندئذ سينهار كل ما خططوا له. وهو ما أتوقعه لأن ممولي الثورة المضادة على أبواب الافلاس وحفتر على عتبة الانهيار والبقية كل فول زاهي في نواره ولن تستطيع فرنسا ولا إيران مساعدتهم.

وحينها ستعود الثورة في موجتها التي ستنهي الاستبداد والفساد وتجمع بين التحرر منهما والتحرير من سندهما الاستعماري.


شنوة رأيك ؟

like
8
dislike
0
love
2
funny
1
angry
0
sad
0
wow
0