أبو يعرب المرزوقي : هل حصيلة الانتخابات صدفة ؟؟؟

أبو يعرب المرزوقي : هل حصيلة الانتخابات صدفة ؟؟؟

سبق أن وصفت البنية العميقة للحكم في النظامين الأساسيين أي الثيوقراطيا (الحكم باسم الله) والديموقراطيا (الحكم باسم الشعب) بالأبيسيوقراطيا (الحكم باسم وثن العجل). وقد صادف أن كانت نتائج الانتخابات مؤيدة لهذا الوصف: سعيد والقروي.
ودون أن يكون المثال دليلا كافيا فيعتبر برهانا على الرؤية فإنها كذلك ليست من الصدف.
1. فلا يمكن تصور ما يجري من دون المافية المالية أي معدن العجل والمافية الأيديولوجية أي خوار العجل مجتمعين اجتماع المرشحين اللذين نجحا في الوصول إلى الدور الثاني في انتخابات تونس. ومثلما أن معدن العجل في القصة القرآنية مسروق لأنه أمانة لم ترد لأصحابها فإن تمويل الحملة مسروق لأنه صدقة من أصحابها حوّلها المافيوزي إلى تمويل لحملته التي كان يخطط لها بإيهام الناس أنه يصدق من أجل ابنه.
2. ولا يمكن إذن أن ننفي أن القروي يمثل معدن العجل الذي اشترى به رتبته في الانتخابات لأنه منذ ثلاث سنوات يعمل على تكوين قاعدة انتخابية بتمويل في ظاهره خيري وهو في الحقيقة تمويل لحملة انتخابية سابقة لأوانها تبينت الآن حقيقتها للجميع بعد أن علمنا من هي قاعدته الانتخابية.
3. لكن ذلك لم يكن مقصورا على المال والإعانات التي توزع على الفقراء بل كان مصحوبا بالخوار الذي جند له فضائية تعمل ليلا نهارا من أجل هذه الغاية وهي خوار كله كذب ورياء ويعتمد على الدعاية والاخبار الكاذبة وثقافة المسلسلات المنحطة وخلط ذلك كله مع دعوى خدمة الفقراء ترحما على ابنه الذي توفاه الله في حادث مرور ولكن بصدقات التونسيين الذين يدعوهم بفضائيته للتصدق ومساعدة الفقراء بواسطته هو. فكان إذن يعمل الخير بصدقات غيره في الظاهر ويمول حملته الانتخابية.
4. لكن الأمر يبدو معكوسا عند رفيقه في الترشح والنجاح للرئاسية الذي حصل على الرتبة الأولى أي إنه ليس بتوزيع المال مباشرة بل بالوعد به وخدمة الفقراء والعدالة الاجتماعية -وكلها وعود كاذبة لأن ذلك ليس من مشمولات سلطة رئيس الدولة في النظام التونسي إلا إذا كان ينوي القيام بانقلاب دستوري على رئيس الحكومة وأخذ صلاحياته- وهو إذن مثل صاحبه يدفع من جيب غيره ويكذب مثله فلا هو استاذ قانون دستوري ولا هو قادر على الوفاء بما يعد لأن ما يعد به ليس من مهامه كرئيس- فيكون خوار العجل عنده مقدما عنده على معدن العجل حتى وإن كان وعودا وليس مثل الأول أفعالا.
5. وبذلك فكلاهما استعمل البنية العميقة للنظام الثيوقراطي بخطاب ديني بين ولعله بسند خفي من نظام ثيوقراطي كلنا يعلم دسائسه (الثاني) والعلماني المافيوزي في الديموقراطية التابعة والنظام الثاني يمكن لزعماء المافية أن يحكموها (صاحب الحملة الخيرية والاعلامية شروط أحد زعماء المافية الإيطالية).
فتكون الحالة التونسية في هذه الانتخابات تمثل عينة مما عرفته بالبنية العميقة لنوعي الحكم إما باسم الله والدين أو باسم الإنسان والمال: والرمز هنا هو التقوى الزائفة التي للخداع وهي تقية وليست تقوى أما المال فهو بنفسه رمز القوة التي تصبح من جنسها عندما تقدم بصفة اعمال الخير. وهذان هما معدن العجل أو الذهب وخوار العجل أو الإعلام.
أعلم أن القارئ العربي لا يعنيه الكلام في البنى العميقة للسياسة لأنه يتصورها أمرا مزاجيا ويتوهم أن ما حدث في تونس ليس إلا تعبيرا عن حرية الشعب حتى لو كان يعلم العكس تماما إذ ما وصفت هنا لا يجهله أحد على الاقل بالنسبة إلى القروي. وحتى الثاني فلا يجهل أمره إلا من يتجاهل الاختراقات التي تنخر كيان تونس السياسي والثقافي وخاصة الإعلامي والمالي. وطبعا من يقول ذلك ينسى أمرين:
• الأول هو أن الثقافة الديموقراطية ما تزال في تونس جنينية ومن ثم فلا أحد ينتظر أن تكون فعلا في شكل يمثل بحق ما نتمنى أن تكون عليه. فأوروبا خاصة والغرب عامة لم يصل إلى الديموقراطية العامة إلا بعد المرور بمراحل كلنا يعلمها ولم يكن الناخبون كل الشعب بل تدرج التعميم بتدرج أمرين: الوعي الشعبي بالحقوق والواجبات، والمستوى الاقتصادي والاجتماعي الذي يقلل من استعمال المال القذر والإعلام المغالط.
• أن تونس وكل البلاد العربية ليست بمنأى عن أمر طال حتى أمريكا. فإذا كانت روسيا قد استطاعت أن تتدخل في انتخابات امريكا فإن دولنا التي هي أشبه بالمحميات الفاقدة للسيادة مخترقة إلى حد يجعلها قطعة جبن كل من هب ودب يخترق أحزابها ومؤسساتها وخاصة ذراعا الاستعمار في الإقليم أي إسرائيل وإيران مع الاستعمار ومع ذيوله وذيول ذراعيه من الأنظمة العربية المعادية للثورة ولحرية الشعوب.
وكل من يتصور أن من جرى هو من المعجزات التي تنتج عن إرادة الممثلين النظاف أمر يكذبه نجاح القروي أو من الممثلين ألأقدر أمر يكذبه نجاح سعيد الذي ليس له خبرة سياسية اصلا ولم يكن مشاركا في الحكم بالفعل بأي مستوى منه أو بالحكم بالقوة -المعارضة- في وقت لا قبل الثورة ولا بعدها. ذلك أن المشاركة في المظاهرات التي تلتها لم تكن مشاركة في معارضة بل هي عمل شعبي شارك فيه تقريبا كل الشعب وخاصة المثقفون والنقابيون وأصحاب المهن الحرة.

أبو يعرب المرزوقي 


شنوة رأيك ؟

like
1
dislike
2
love
0
funny
0
angry
0
sad
1
wow
1