الخطر المسكوت عنه | انهيار قيمي وأخلاقي غير مسبوق.. العائلة التونسية تتفكّك وهؤلاء يقودون المجتمع إلى الهاوية...

الخطر المسكوت عنه | انهيار قيمي وأخلاقي غير مسبوق.. العائلة التونسية تتفكّك وهؤلاء يقودون المجتمع إلى الهاوية...

يعيش المجتمع التونسي خلال السنوات الأخيرة حالة إنهيار قيمي و أخلاقي كبيرين، كما فقدت الأسرة التونسية حرارة الروابط التي تجمع أفرادها وأصبحت فاقدة لكل أهلية ورمزية. كما شهدنا تحطم لصورة الأب التاريخية، فلم يعد الأب الشخص القوي والملهم لصغاره، بل قل احترامهم له وأصبح الأبناء خارج السيطرة الأبوية ليكون الشارع هو الحاضن والمربي.

.صورة سيئة الإخراج للأسرة داخل المجتمع و تفكك مادي ومعنوي ساهمت فيه عدة عوامل:

التكنولوجيا فككتنا

حيث أن الشعور بـ«الفردانية» وفقدان الأسرة الموسعة والشعور بأهمية وحنان الأسرة قد نخر المجتمع التونسي التكنولوجيا التي ضاعفت الفردانية ودفعت بالشباب نحو الانحراف والارهاب.
لم تعد للعائلة معنى فهم أفراد يتقاسمون المنزل برابطة «الدم» لا أكثر. حيث يتناول كل فرد من العائلة طعامه في وقت مختلف.. ولا يجتمعون أبدا على المائدة إلا في شهر رمضان، ليتفرق الجميع أثناء السهرة ويغيب كل أفق للحوار والنقاش وينخرط كل مع جواله في حوار افتراضي وعلاقات وهمية احيانا تكون عواقبها وخيمة على الفرد والأسرة.

علاقات شكلية

التحولات في القيم والأولويات عند الفرد وفي العلاقات الزوجية، هي أول أسباب التفكك في الأسرة وهو ما أكّده الباحث في علم الاجتماع طارق بالحاج محمد.
فمع تغير المجتمع بحكم التحديث والحراك الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي كان نتيجة تعميم التعليم ونشره منذ الاستقلال، كثرت الضغوطات وتعقدت الحياة وأصبح ينظر إلى الأسرة لا كرابطة و«مشروع» الحياة بل مجرد محطة ومؤسسة وعقد قانوني.
وبين أن تراجع البحث عند التخطيط لبناء الأسرة على العوامل النفسية والعاطفية كأولوية جعل الروابط مجرد تبادل للمصالح الاقتصادية والمادية بالأساس، بعيدا عن قيم الالتزام والمسؤوليات القيمية في زرع قيم إنسانية. فأغلب الزيجات اليوم تغيب فيها عناصر الالتزام والمثابرة والاستثمار الجيد في تربية الأبناء على تثمين القيم والروابط الأسرية، مقابل اهتمام أكثر وكلي بالجانب المادي. مما يجعل مكونات العائلة غير متمسكة كثيرا بمؤسسة الأسرة ومستعدة للتضحية بها في أول أزمة تعترضها للعيش المنفرد.

عواطف افتراضية

يبدو أن أفراد الاسرة قد اتجهوا إلى تعويض حاجاتهم العاطفية من العالم الافتراضي وهو نموذج يقتبسه الأبناء من علاقة الزوجين بين بعضهم البعض ومن علاقتهم بأسرتهم اي الجد والجدة والعائلة الكبرى، إضافة إلى انشغال الأبوين بالعمل وعدم تخصيصهما لوقت مع الأبناء. وتكاد تكون الجلسات الطويلة منحصرة في المناسبات. وينجر عن هذا السلوك الإحساس بالملل والفراغ والقلق والشعور بالوحدة والرغبة في الهروب من الواقع، والبحث عن «معوض» عن كل ما هو واقعي بما هو افتراضي بما في ذلك المشاعر والأحاسيس حيث تتعزز الرغبة في الدخول والعيش في عالم وهمي بديل تقدمه شبكة الإنترنت، وهو ما يؤكده طارق بلحاج محمد.

ويضيف أن للتفكك الأسري آثاراً نفسية كبيرة سلبية منها الشخصية النفسية السوية القادرة على التفاعل مع المجتمع والعمل فيه وإعطائه ففاقد الروابط المتينة والقدوة في التواصل لن يجيد التواصل ولن يعطي أهمية للبعد الإنساني في المجتمع. كما يؤدي فقدان الحميمية إلى الخيانة في الواقع أو الخيانة الافتراضية، وتكثر العلاقات الشكلية التي يعمل فيها الزوجان على تسويق صورة الاسرة «المرفهة» في حين أن كل يعيش في واد تكون النتيجة طلاق شكلي وأسرة شكلية.
دراسة أخرى للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية تبيّن تداعيات تفكك الاسرة وارتفاع منسوب العنف في المجتمع.

المدرسة والتلميذ

يتفق المتابعون لشؤون التلاميذ حول تراجع المستوى العلمي للتلاميذ وايضا تراجع الأخلاق وتدني المستوى القيمي وهو ما يدفع الى التأكيد على ضرورة إيلائها العناية التي تستحق في منظومة الاصلاح التربوي .

داخل المؤسسة التربوية يتلقى التلميذ لافقط العلوم والمعارف بل كذلك القيم ( الحرية ، العدالة ، المساواة ، المواطنة ، التسامح ، الاعتدال ، احترام الاخرين ، التضامن ...) وفي البلدان المتقدمة تلعب المؤسسة التربوية دورا هاما في هذا المجال سواء في برامجها التعليمية او النوادي والانشطة التثقيفية لكن في تونس اختلت الموازين وضاعت البوصلة فلم يعد لتلامذتنا القدرة على التمييز بين الصالح والطالح وتحول الاستثناء الى عادة وباتت المنظومة التربوية في حاجة الى استعادة دورها في ترسيخ القيم الجيدة وأخذها بعين الاعتبار في البرامج التعليمية وفي هذا الاطار قال رضوان المصمودي رئيس مركز دراسة الاسلام والديمقراطية خلال ندوة نظمها المركز مؤخرا تحت عنوان اية منظومة للقيم في المؤسسات التربوية « هناك تدهور كبير في جودة التعليم في تونس بصفة عامة وهذا يجب تداركه واليوم يجب التركيز على القيم التي نريد تعليمها وترسيخها عند الاطفال والشباب لان اي مجتمع يفتقر للقيم سوف يندثر اجلا ام عاجلا وأشار الى ان الطفل لايتعلم فقط العلوم في المدرسة ولكن كذلك القيم وكيف يكون إنسانا صالحا في حياته وكيف يحترم نظافة الشارع ،ويتشبع بقيم المواطنة مؤكدا على ضرورة ان نجد لهذه القيم اثرا في تعليمنا. 
وختم بضرورة ترسيخ القيم الدينية لدى اطفالنا وشبابنا لانه في كل الأديان هناك قيم دينية يتعلمها الطفل في المدرسة.

القيم والإصلاح التربوي 

من جهته ذكر محمد بن فاطمة رئيس الجمعية الوطنية للائتلاف المدني لاصلاح المنظومة التربوية، خلال الندوة، ان قضية القيم هي محور أساسي في كل اصلاح تربوي وتضمين القيم في المناهج التعليمية لانه ليس مادة مدرسية نتعلمها وإنما تتملك والتملك من ناحية بيداغوجية يعني ان يكون التلميذ والطالب قد اكتسبها وصارت جزءا من شخصيته ومن خلالها يتعامل في الشارع والمنزل.

وأفاد محرز الدريسي رئيس مجلس ادارة رابطة التربويين التنويريين، في ذات الندوة، "لا يمكن ان نغمض اعيننا على ثقافة جديدة هي ثقافة الإلكترونيات ، القيم التي نسعى الى ترسيخها لا توجد في الماضي بل في المستقبل ، هناك ثقوب سوداء في التربية واليوم وجب اعادة النظر في المدرسة واعادة السعادة للتلميذ التي تجعله يحيا ويعيش . "
 وأضاف "وبناء على كثرة الانحراف بالاخلاق والقيم داخل المؤسسة التربوية وعدم احترام القانون والإقبال على ادمان التدخين والمخدرات بات من الضروري تعليم التاشئة احترام القانون الراعي للحفاظ على القيم ."

الإعلام، البرامج الإجتماعية

لا جرم أنه في بلد مثل بلدنا شهدا انفلاتا في كل شيء بعد أن كان منغلقا على نفسه محكوما بهاجس الخوف والتسلط والقمع أن يقع انفلات وتسيب بعد ارتخاء قبضة القمع والتسلط على المجتمع .. ولكن ليس إلى هذه الدرجة ون الإسفاف والانحطاط؟؟؟ إذا ما هو السبب في هذا الذي نراه من تفسخ انحطاط أخلاقي منقطع النظير أصبح يهدد بما لا تحمد عقباه وينذر بالأسوأ؟؟؟

إننا نكاد نجزم أن الهرسلة الفكرية والتي استهدف بها التونسيون خاصة من طرف وسائل الإعلام المختلفة والتي قامت تقريبا بضرب كل الثوابت الفكرية والأخلاقية التي تأسس عليها امجتمع التونسي قد بدأت تعطي نتائجها الكارثية فيما أصبحنا نرى ونسمع من فضاعات تقارب الأساطير والخرافات … شاب يحاول اغتصاب عمته… أب يغتصب ابنته… زوجة تقطع زوجها بمساعدة أبنائها… شاب يسرق كل ما تملكه والدته من مال ومصوغ من أجل انفاقه على بنات الليل… رجل يقتل زوجته وكل أبنائه… شاب يغتصب طفلا صغيرا ثم يقطع جسده ولا تهتز منه شعرة واحدة والزواج المثلي والزواج العرفي …. أما عن عمليات السطو وقطع الطريق والغش والتحايل والاختلاس والارتشاء فحدث ولا حرج… كل هذا الانحطاط والانهيار القيمي يجد من يدافع عنه بشراسة ويبرر له وينظر له حتى… هذا بداعي الحرية.. والآخر بداعي القراءة الجديدة للنصوص الدينية …. والآخر بداعي القطع مع التخلف والرجعية والتحرر من كل القيود وركوب قطار الحداثة والتقدمية….

ضاعت بوصلة الكثيرين خاصة من أصحاب النفوس الضعيفة .. وتلبست في ذهنهم الأشياء .. والبعض وجد فيما يروج له الإعلام (الذي يعمل في إطار سياسات ممنهجة وليس اعتباطا) هوى في نفسه… فأصبحت ترى وتسمع ما لم تكن تتصور يوما أن تراه أو تسمعه …

فالمتابع لبعض وسائل الإعلام التونسية يرى الكم الهائل من البرامج "الإجتماعية" التي تعمل ليلا نهارا على غسيل اجتماعي لا فائدة ترجى منه، بل ويذهب البعض إلى حد وصفه بالخطير والمسيء لصورة المجتمع، في وقت يرى فيها المدافعون عنها علاجا بالصدمة وتساعد المجتمع على أن ينظر إلى نفسه في المرآة.

لكن عدد من النقاد يرون في هذه البرامج أنها تتوسل الربح وتسوق المجتمع إلى التبجح والفخر  بالرذيلة، وأن هذه القضايا كان يمكن تفاديها بالاستعانة بعلماء النفس والاجتماع.

الثقافة، الأعمال السينمائية والمسلسلات

اذ أن بعض الأعمال السينمائية التونسية والمسلسلات شاهدة على الإنحطاط و التردي لما تحتويه من خدش للحياء بشكل لم نراه في أي سينما عربية أخرى أما المسرح و الذي قال عنه شكسبير"إعطني مسرحا أعطيك شعبا عظيما " فقد تحول إلى مسرح تجاري رخيص و تهريج يلقي فيه للأسف البعض ما جادت به قريحته من بذاءة اللسان و سوء القول و يلقى أصحابه الدعم المادي السخي من وزارة الثقافة بدعوى حرية الإبداع .

لقد أجرم الكثيرون في حق الثقافة في بلادنا و خسرنا عقودا كانت كفيلة بتطوير الوعي و الإرتقاء بالذوق العام فقد إعتقدت هذه النخب الفاسدة أن التنكر لخصوصياتنا الحضارية سيلحقنا بالعالمية و تناسوا أنه بالخصوصية وحدها عندما تحولها إلى فعل إبداعي تصل إلى كل بقاع الأرض , ألم يبدي الجنرال ديقول إعجابه بأم كلثوم وهي تشدو بلسان عربي فصيح وينال يوسف شاهين تقدير مهرجانات السينما العالمية, ألم ترتقي النمور الآسيوية إقتصاديا و علميا بالإعتماد على لغاتها المحلية التي يعجز البعض منا على فك رموزها ,ألم يدرس العراق العظيم العلوم النووية و الذرية باللغة العربية{ التي يسخر منها أزلام فرنسا عندنا }ووصل إلى أعلى مراتب التقدم العلمي بل تحصل هذا البلد سنة 1984 من الأمم المتحدة على جائزة أفضل نظام صحي و تعليمي في الشرق الأوسط ...و الأمثلة عديدة.

أرقام مفزعة

تقول الإحصائيات الرسمية أن نصف مليون تونسيا يتعاطون المخدرات و 40 الف يستهلكون الكوكايين  إضافة إلى بروز ظواهر جديدة و خطيرة منها ميلاد 1500 طفلا سنويا خارج إطار الزواج بل و إلقاء بعضهم بصفة أسبوعية في القمامة أو أرصفة الشوارع ! و تسرب 100 ألف تلميذ سنويا! ضف إلى ذلك ارتفاع هام في حالات الطلاق في السنوات الأخيرة والتي اتخذت نسقا تصاعديا لافتا للأنظار، حيث بلغت معدل 45 حالة طلاق يوميا. واعتبر مختصون في القضاء الأسري وعلم الاجتماع أن الأرقام التي كشفت عنها الإحصائيات الأخيرة مفزعة حيث تعكس حجم التفكك الذي بلغته الروابط الأسرية والاجتماعية.

يقول أحمد شوقي

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وَإِذا أُصـيـبَ الـقَومُ في أَخلاقِهِم, فَـأَقِـم عَـلَـيـهِم مَأتَماً وَعَويلا

 صلاح أمرك للأخلاق مرجعه *** فقوّم النفس بالأخلاق تستقم 

الحاجة لثورة أخلاقية

ليس الإستبداد إلا منظومة تعامل وسلوك لها ثقافتها التي تتشكل عليها ممارسات الإنهيار والسقوط الأخلاقي. والاستبداد معادلة فساد وإفساد يتقاسمها المستبد بفساده والمجتمع برضاه وتقبله بقوانين اللعبة، وحين ينهار الاستبداد يمكن لثقافته ومنظومته التواصل والبقاء بدون رأس ولكن بجذوره الممتدة في أعماق المجتمع ومخياله.

لن يكون الحل المادي كافيا لنمو مجتمعاتنا وازدهارها ولن يكون الحل مختزلا في ثورة خبز وماء، ولكن في ثورة أخلاقية عارمة تمس الجذور وتعيد صياغة العقل الإجتماعي التونسي، ولن يكون لثورة 17 ديسمبر أي معنى ولا بصمة دون الإحساس بأن شيئا قد تغير في أخلاق التونسي ومعاملاته...
ليست الثورة تغييرا ماديا فقط ولكنه تغيير لمنظومة القيم والأخلاق نحو أفق جديد ومختلف جذريا، وليست الثورة نقطة مفصلية بين حال وحال إذا لم تكن تغييرا في السلوك والممارسة والتعامل بين الناس...

إن الثورة لن تكتمل أو لم تبدأ إلا بثورة في الأخلاق والسلوك يقف على بابها المجتمع بكل أطيافه ومؤسساته، ومن أهمها الدولة عبر قوانينها وبرامجها ومخططاتها ونموذج رجالها في الحكم والممارسة. إن مدرسة الشارع ومدرسة العلم ومدرسة الثقافة ومدرسة الإعلام ومدرسة الأسرة يمثلن هذه الكيانات الأساسية الحاملة للتغيير والمنزلة فيه.

تونس الآن


شنوة رأيك ؟

like
0
dislike
1
love
1
funny
0
angry
1
sad
1
wow
1