انهم يقتلون الطفولة وأحلامها

انهم يقتلون الطفولة وأحلامها

لم تكن واقعة موت (او بالاحرى قتل) احدى عشر رضيعا الاليمة، حدثا عرضيا خارج محيط كامل متسم باللامبالاة بالمواطن، كما لم يكن حدثا طارئا خارج سياق يكتسحه الفساد من كل اتجاه. 

جريمة بشعة واستهتار لا مثيل له لا يحتمل التوصيف الاّ بالنكبة، نعم النكبة بكل ابعادها ومعانيها، وكيف لا تكون نكبة وقد استهدفت احدى عشر روحا بشرية، وهذه الارواح جميعها من المواليد الجديدة، التي حملتهم كل منهم والدته لتسعة أشهر كاملة. 

وهناك نساء انتظرن سنين لينجبن مولودا، استعصى انجابه ولكنه قدم بعد الفحوصات والعمليات والتضحية بالغالي والنفيس، وأبرق معه أمل الامومة، والصدمة صاعقة بكل المعاني والاعتبارات، فالحمل "وهن على وهن" لاشهر عديدة، بكل حلوها ومشاقها وخصوماتها، فتحول الحلم الكبير منذ لحظة الانجاب الى كابوس. 

ولا احد حقيقة يمكنه تخيّل حالة هاته النسوة، فحياتهن مرتبطة بموالديهن، وفي لحظة أليمة لا يجدنهن قبالتهن، انه الفناء بل الانسحاق، بدنيا وفكريا ونفسيا ولكن خاصة روحيا، الحياة تظلم في اعينهن والكون يضيق عليهن، وكل العالم يتحوّل في اعيهن الى وحش كاسر. 

ما حدث بمقتل احدى عشر رضيعا، هو نكبة بالفعل لا تحدث الا في زمن الحروب، عبر القصف الوحشي المركّز بالقاذفات والقنابل المدمرة، وحتى في كثير من الحروب الحادة لم يكن عدد القتلى في هذا الحجم، وفي اتجاه الطفولة البريئة، التي لم تكن تعلم انها ستفتح اعينها في الحياة على هذا المصير.
بكل براءتهم وهم يستقبلون الحياة ولم يكونوا يعلموا ان الآدميين في تونس تحولوا الى قتلة، يحرمون الطفل من اعظم حق في الوجود، حق الحياة العظيم المقدّس في كل الاديان والشرائع والنحل والملل، لم يكونوا يعلموا انهم سيكونوا رقما تتنشاره وسائل الاعلام في الداخل والخارج، ثم يقع تسليمهم لذويهم في "كرادن"، ويفرض عليهم اداء كلفة تصل الى 500 دينار. 

لا تجد الكلمات لتوصيف هذه الشناعة، ولا تجد الانفاس وانت تكتب عن هذه الفظاعة، في حق البراءة والطفولة وفي حق الامهات الملتاعات، وفي حق الاباء المنهارين وعائلاتهم المحبطة، وفي حق هذا الشعب وفي حق الانسانية جمعاء، وهل توجد بشاعة أشنع وافظع من الذي حصل، لا يستجوب مجرد استقالة وزير بل ولا حكومة، بل محاكمة لكل جهاز الحكم باقسى العقوبات. 

والأمر كان منتظرا بل القادم أحلك وأسود، في بلد صارت فيه قيمة الانسان والكرامة والحق هي الدنيا، نكّلوا فيه بالشعب وكل قيمه، وصار فيه الافلات من العقاب هو العنوان الاعلى، فبعد اللوالب القلبية الفاسدة والبنج الفاسد والادوية المفقودة، وعشرات النساء اللاتي متن على النفاس، دون حسيب ولا عقاب هل كان البعض ممن يتهمنا سابقا بالتهويل أن لا تحصل مثل هذه النكبات؟!

والكل يتحمّل المسؤولية دون استثناء، وانا اولهم لانني لم ارفع صوت الادانة اكثر، وطبعا من صمت على الحق وكان شيطانا اخرس، ومن دافع عن الباطل وكان مزوقا له، ولكن بدرجة اولى من هم في الحكم، ولم يقوموا سوى بالتغاضي عن الاخطاء والقبح وحتى القتل، فعشرات القتلى في حوادث القطارات، ومئات القتلى في زوارق الموت، وفي كل مرة مجرد ذر الرماد في العيون، والحكومة لا تسمع ولا تحسّ. 

هل سمعتم باقالة او استقالة من اجل تقصير، وهل سمعتم بسحب ثقة في البرلمان من وزير او رئيس حكومة من اجل اخلال، لا ترى سوى التبرير وحتى الابداع في التغطية على الاخطاء، في نطاق تقاسم كعكة الحكم، وفي نطاق الاستثمار في موارد الفساد العالية التي صارت "شحم" السياسة، واليوم مات عبرها احدى عشر مولودا، بسبب هذه المواد المسمومة المتعفة القاتلة الفتاكة. 

في كل مرة يتحول المسؤلون الى ضحايا ولا يحاسب احد، في ظل تكالب مرضي على السلطة وتوازناتها، وعراك حاد هذه الاشهر على موعد 2019، صار كاسرا هذه الايام في نطاق افتراس وليمة هذا الوطن، الجريح الذي يقطر دما، ومع ذلك يمعنون في نهشه دون حياء او خجل!!

بقلم: شكري بن عيسى


شنوة رأيك ؟

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
0
sad
0
wow
0