تنامي ظاهرة الجريمة في تونس... اين الخلل ؟؟

تنامي ظاهرة الجريمة في تونس... اين الخلل ؟؟

- امنة اليفرني -

استفاقت تونس أمس الأربعاء 17 جويلية 2019 على حادثة قتل بولاية سوسة أين أقدم محامي على إطلاق النار من بندقية صيد على أحد اللصوص الثلاثة الذين تهجموا على بيته بنية السرقة والسّطو فأرداه قتيلا . هذه الحادثة التي أسالت الحبر وأثارت نقاشا حول مشروعية القتل من عدمه بل صنفها الكثير من رجال القانون ضمن حالات الدفاع عن النفس والممتلكات والتصدي لعملية سطو مسلح على محل سكنى من قبل مجموعة بشرية. وتتزامن هذه الحادثة مع تقرير أصدره المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تضمن بلوغ نسب العنف في السداسي الأول من سنة 2019، 51 % بالنسبة للجماعي و49 % بالنسبة للعنف الفردي . هذا التقرير وهذه الحادثة لم يمثلا استثناء، فلا يعدو أن يمضي يوم دون أن يتراء إلى أسماعنا أو أبصارنا إحدى الجرائم سواء سرقة أو سلب أو سطو أو اغتصاب وحتى قتل . لكن ما يثير الاستغراب والتساؤل لماذا أصبحنا نعيش في مجتمع يحوي نسب عالية من العنف المادي والمعنوي ؟ ولما ينعدم الشعور بالأمان لدى عامة الناس ؟

 

في الحقيقة المتصفح لصفحة وزارة الداخلية يجدها تعج بالنجاحات الأمنية، كإلقاء القبض على مفتش عنهم، استرداد مسروق وهجوم على مكان إحدى العصابات وغيرها من الأخبار... لكن كثير من المواطنين يعانون من تتالي الاعتداءات وانعدام الأمن حتى أن بعض الأسر تفضل طوعا عدم مغادرة مقر سكناها خوفا من السرقات أولا وخوفا من قطاع الطرق ثانيا.

يعرف القانون الجريمة على انها فعل أو امتناع ، يحظره القانون ويقرر عقوبة لمرتكبه ، وأنه لكي تقوم الجريمة قانونا ينبغي أن تجتمع لها عدة أركان ، أولها الركن الشرعي أو القانوني ، وثانيهما الركن المادي أما ثالثهما فهو الركن المعنوي . فمن المبادئ الراسخة في القوانين الجزائية المعاصرة هو المبدأ القاضي بأنه لا عقوبة بدون خطأ وكل من ارتكب قصدا عملا مضرا بالغير واقعا تحت طائلة القانون الجزائي يعتبر مرتكبا لجريمة متوفرة الأركان .

علماء الاجتماع يرجعون تفشي ارتفاع الجريمة في المجتمع التونسي: أولا انتفاء الوازع الذاتي بسبب سقوط القيم الأخلاقية النبيلة التي كان ينشأ عليها الفرد ، ثانيا الاستبداد كحلقة من العنف تولد عنفا أي لم تعد الدولة وحدها من تمتلك العنف الشرعي إنما هو سلوك كل يمارسه من زاويته وقدر إمكانياته، كذلك الفقر والخصاصة الذي تعاني منه أغلب الأحياء الشعبية إضافة إلي التهميش وانسداد الأفق والانقطاع المبكر عن الدراسة كلها عوامل تساهم في نشأة شخصيات مهزوزة نفسيا إن لم نقل مشوهة .

كما يشير مختصو علم الاجتماع استنادا إلى التقارير الأمنية والطبية إلى ان المخدرات تمثل احد الأسباب الأساسية لاستفحال الجريمة، وقد تم تهريب إلى داخل الشارع التونسي في السنوات الأخيرة أنواعا مختلفة من المخدرات أخطرها حبوب الهلوسة (الإكستازي) التي يتجاوز استهلاكها مجرد التخدير إلى حالة التغييب الكامل للحسّ والعقل في التحام مع مخزون العنف النفسي والنقمة ويصاب مستهلكها بنوبات عدوانية، الأمر الذي ينتج عنه الإقدام على عمليات إجرامية شنيعة وصلت درجة قتل الابن لأمه أو أبيه أو أشقاءه علما ان التقرير السنوي لمؤشر الجريمة العالمي أفاد أن تونس المرتبة العاشرة عربيا و53 دوليا في ارتفاع نسبة الجريمة (السطو والقتل والسرقة والاغتصاب) سنة 2017.

وهو ما يطرح سؤالا جديا عن قنوات تهريب هذه الكميات الضخمة من الأدوية وطبيعة شبكات الجريمة والفساد المشاركة في هذه العملية التدميرية للمجتمع. ويمثل الإفلات من العقاب في كثير من الأحيان وقصر فترة العقوبة هذا إن لم يتخللها عفو رئاسي عن مستهلكي المخدرات والتي تحولت بدورها إلى عنصر للمزايدات السياسية ضمن البرامج الانتخابية للأحزاب، دافعا لعدم الخوف من العواقب والإقدام على المحضور .

كما مثل غياب إستراتيجية وطنية لتأهيل المساجين والإحاطة بهم عاملا قويا في تكرار الجريمة وارتفاع منسوب العنف، حيث صرحت مريم الدلاجي رئيسة الجمعية التونسية لتأهيل المساجين لإحدى وسائل الإعلام أن مساجين سابقون يقفون وراء معظم الجرائم التي ترتكب في تونس ، وإنه على الرغم من محاولات السلطات التونسية لتأهيل بعض مساجين الحق العام من بينها إنشاء عدد من الورشات داخل السجون، وتنظيم بعض الفعاليات الثقافية لصالحهم، فإن هذه الجهود تبقى غير كافية لإعادة دمج المساجين في الحياة الاجتماعية .

 

الجريمة هي فعل شنيع تنبذه كل المجتمعات وتتبرأ منه مهما كانت سمة أو صفة فاعلها ، وللحد من هذه الظاهرة التي باتت تهدد العائلة التونسية وجب على جميع الأطراف الرسمية والمجتمعية (أجهزة الدولة والمجتمع المدني والأسر التونسية) أن تكثف الجهود في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية لمحاربة الجريمة والسعي لإنشاء مجتمع متوازن وسليم.


شنوة رأيك ؟

like
6
dislike
0
love
3
funny
0
angry
1
sad
1
wow
1