فبحيث ترجّل...رئيسا !

فبحيث ترجّل...رئيسا !

- آمنة اليفرني -

كانت أسمى أماني الرجل ان يترجل رئيسا، وهو أمر لم يخفه أبدا، معلوم للقاصي والدّاني، وكان له ما أراد.

محمد الباجي قايد السبسي، رجل يستفزّك دهائه وتثيرك حنكته السياسية ويبهرك حضوره الذهني رغم كبر سنّه وهو ما يثير اعجابك حتى وإن لم تتوافق مع رؤاه وسياساته، هو أول رئيس منتخب للجمهورية من قبل الشعب اثر انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة وشفافة. تولّى الراحل منصب رئيس الجمهورية في 31 ديسمبر 2014 ليغادره نحو الرفيق الأعلى يوم عيد الجمهورية التونسية الثاني والستين وتحديدا الخميس 25 جويلية 2019 وقد بقي في عهدته حوالي الثلاثة أشهر فقط.

 

"سي الباجي" كما يحلو للكثيرين مناداته، ولد في 29 نوفمبر 1926 في مدينة سيدي بوسعيد احدى ضواحي تونس العاصمة، ينحدر من عائلة مملوكة قريبة من البايات الحسينيين. زاول تعليمه الابتدائي بالمدرسة الصادقية ليكمل الباكالوريا في ديجون ويتحول الى باريس في 1949 ليواصل الدراسات العليا في الحقوق ويتحصل على شهادة المحاماة . وكانت المحاماة مفتاح الرجل الذي دخل به عالم النضال والسياسة لحقبة تناهز السّتين عاما. عاد الباجي الشاب الى ارض الوطن في 15 جويلية 1952 وأدّى القسم يوم 3 اكتوبر من نفس العام لتنطلق مسيرته الحافلة كمحامي لدى الاتحاد العام التونسي للشغل وكمناضل صلب هياكل الحزب الحر الدستوري الجديد. ابان الاستقلال عمل محمد الباجي قايد السبسي كمستشار لأبيه الروحي اول رئيس للجمهورية الحبيب بورقيبة ومديرا للأمن الوطني .

 

عام 1965 عين الرجل وزيرا للداخلية لتتوالى الوزارات تباعا من دفاع الى خارجية ثم أصبح سفيرا لتونس في باريس الى حدود 1971 . جمّد "سي الباجي" نشاطه في الحزب الاشتراكي الدستوري الذي غير اسمه بعد تجربة التعاضد ومع هبة اليسار والاشتراكية العالمية، مطالبا بإدخال اصلاحات على النظام السياسي تم على إثرها رفته من الحزب.

 

في 1978 التحق بحركة الديقراطيين الاشتراكيين بقيادة رفيق النضال احمد المستيري، وتزعم ادارة مجلة " ديمكراسي" المعارضة وكانت تلك مصافحة هامة في مسيرته للاعلام. عاد الرئيس الراحل الى الحكم ودخل الحكومة في 3 ديسمبر 1980 كوزير معتمد لدى الوزير الاول انذاك محمد المزالي في اطار سياسة الانفتاح السياسي، بعدها تقلد وزارة الخارجية في 1981.

 

يشهد له التاريخ أنه أحد أبرز الديبلوماسيين في تونس الحديثة وانه قاد حركة احتجاج وتحرك رسمي افضى الى اتخاذ قرار ادانة في مجلس الامن للغارة الجوية الاسرائيلية على مقرّ منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط بتونس العاصمة عام 1985 دون ان ترفع الادراة الامريكية حق النقض (الفيتو). بعد انقلاب 7 نوفمبر 1987 الذي قاده الرئيس الاسبق زيد العابدين بن علي على الرئيس الحبيب بورقيبة، انتخب الباجي نائبا في مجلس الشعب وتولّى رئاسة المجلس بين سنتي 1990 و1991 لينقطع عن العمل السياسي ويعود لأروقة المحاكم وقاعاتها كرجل قانون ومحام مخضرم.

 

بعد الثورة عاد "سي الباجي" وهو أحد رجالات ما قبل 2011 للمشهد السياسي من جديد ليتقلد منصب رئيس وزراء مؤقت يقود حكومة تصريف اعمال رست بالبلاد نحو التاسيس للجمهورية الثانية ويتعهد آنذاك بعدم العودة أو الترشح لأي منصب. !

 

لكن الرجل قام بتأسيس حزب نداء تونس سنة 2012 رفقة مجموعة من النقابيين والسياسيين الليبراليين واليساريين وبقايا من التجمّع الدستوري الديمقراطي الحزب الحاكم قبل الثورة المنحل بعدها، لمواجهة حركة النهضة و" الحد من تغولها " على حد تعبيره حيث كانت البلاد تعيش حالة من الاستقطاب الثنائي بين اسلاميين وعلمانيين اجّجتها عمليات ارهابية واغتيال اثنين من رموز اليسار الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي .

 

حالة الاستقطاب الحادة اوقفها ما عرف" بلقاء الشيخين في باريس " لتختم بمرحلة التوافق بين حزبي نداء تونس وحركة النهضة قاده كل من الباجي قايد السبسي وراشد الغنوشي زعيم حركة النهضة عقب الانتخابات التشريعية والرئاسية في 2014، مؤسّسين لمرحلة جديدة انقذت تونس من سيناريوات عديدة كانت تتربص بها والامثلة في الجوار عديدة.

 

لكن ما يحسب للباجي انه اختار استقرار تونس واستقلالها داعما تجربتها بعيدا عن الأفواه المتربصة ورغم حجم الإغراءات ، وساهم في حصولها على جائزة نوبل للسلام عقب الحوار الوطني ليثبت انه رجل دولة استحقّ أصوات التونسيين الذين انتخبوه.

 

بقي السّبسي ليبراليا وفيا لمبادئه وللمليون امرأة الذين انتخبوه فاقر إرساء لجنة الحقوق والحريات والمساواة في الميراث لتنقيح مجلة الأحوال الشخصية والسماح للمسلمة بالزواج لغير المسلم .

 

محمد الباجي قايد السّبسي أيضا رغم انه لم يكن يوما سليل مدرسة ديمقراطية انما اخر الدستوريين الذين عاصروا الاستقلال وساهموا في بناء الدولة الوطنية الحديثة وهو ما يتجلّى أحيانا في معاملاته مع الصحفيين او الأمنيين وطغى عند دفعه للمصادقة على قانون المصالحة او بوقوفه منحازا إلى جانب شطحات ابنه حافظ قايد السبسي مما تسبب في تشظي الحزب ، اختار ان ينتهي ديمقراطيا كأول رئيس منتخب من قبل الشعب سيحظى بجنازة وطنية مهيبة يشارك فيها العالم بأسره.

 

أحبّ "سي الباجي" تونس وبادلته الحب بدورها وأعترفت له بالجميل عند مرضه بالدّعاء وتمنّي الشفاء، وبالحزن عليه والحداد وتنكيس الأعلام وإلغاء الحفلات والأفراح عند سماع خبر وفاته، فكان اخر ما قام به تجاهها ان أمضى على دعوة المواطنين التونسيين والتونسيات للانتخاب يوم 6 جويلية 2019 وان أوصى باستكمال المسار الديمقراطي وحفظه.

 

هي مسيرة كدّ وطموح امتدت عقودا من الزمن حقّ أن يُحتذى بها وان تكون قصة نجاح مخلّدة، مسيرة كان تأثّره فيها بأبيه الروحي الزعيم الحبيب بورقيبة واضحا، لكّن الابن تفوّق في تقديرنا على الأب فأرسى مدرسته الخاصة في إلهام مريديه واكتسب حالة إجماع وطني سيكون من النادر أن نرى مثلها قريبا على الأقل رغم أن تونس ولاّدة.

رحم الله رئيس الجمهورية "سي الباجي".


شنوة رأيك ؟

like
3
dislike
0
love
6
funny
1
angry
0
sad
1
wow
1