لا "تكتيك" في معارك الإستنزاف و الإنهاك : هل فصلت النهضة في مسألة الإنسحاب من الحكومة ؟

لا "تكتيك" في معارك الإستنزاف و الإنهاك : هل فصلت النهضة في مسألة الإنسحاب من الحكومة ؟

من المنتظر أن يعقد مجلس شورى حركة النهضة نهاية هذا الأسبوع دورة إستثنائية للنظر في مستقبل علاقة الحزب بالحكومة بناء على البيان الأخير للمكتب التنفيذي الذي لمّح إلى إمكانية سحب دعمها لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ على خلفية التحقيقات التي باشرتها هيئة مكافحة الفساد حول إمتيازات وصفقات تحصلت عليها شركاته من الدولة...

وقالت الحركة إنها تتابع التحقيقات المرتبطة بشبهة تضارب المصالح التي تلاحق الفخفاخ وأضرت بصورة الائتلاف الحكومي. وأضافت أن الأمر يستوجب إعادة تقدير موقف الحزب من الحكومة والائتلاف المكوّن لها، وعرضه على مجلس الشورى في دورته القادمة لاتخاذ القرار المناسب.

ردود الفعل السياسية كانت متباينة حول بيان تنفيذي النهضة، بين من اعتبره "تكتيكا" معهودا من مونبليزير و تحسينا لشروط التفاوض في إطار فرض إملاءاتها على راس السلطة التنفيذية في علاقة بالتعيينات و المناصب العليا في الدولة ،و بين من اعتبره "ورقة أخيرة " تلعبها الحركة قبل الرضوخ للأمر الواقع و قبول الحكومة في شكلها الحالي،و هو ما يمكن قراءته في بعض المواقف المتشنجة من قيادات بقية مكونات الإئتلاف الحكومي و خاصة قيادات حزب التيار الديمقراطي المساند الرئيس لإلياس الفخفاخ ،الذي كان خطابه كذلك متعاليا غير متماه مع وضعيته السياسية "الدقيقة" و إنحسار رصيد حكومته الأخلاقي و الرمزي لا سيما أنه قد بشّر بحكومة "الوضوح و مقاومة الفساد" و هو ما يتنافى مع وضعيته الحالية بعد واقعة "تضارب المصالح " .

خطاب الفخفاخ "المتعالي " و الذي أصبح معهودا في إطار سياسة إتصالية متكاملة توخّاها منذ مشاورات "التشكيل" زاد في تعفين الوضع السياسي و "توريط" حكومته التي أرهقتها التجاذبات الداخلية بين مكوناتها ،و مثّل رسالة تحدّ مضمونة الوصول لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي و الذي أصبح يتعامل مع هذه الحكومة على أنها خطر على "النهضة كحزب و على منصبه كرئيس البرلمان و على الإستقرار السياسي في البلاد "... من جهة أخرى فإن حركة النهضة أصبحت تتعامل مع الصراع داخل الإئتلاف الحكومي على أنه صراع "إستنزاف و إنهاك " لا يمكن مجاراته بالزيادة في جرعات التكتيك السياسي و الماكيافيلية المعروفة عليها، إذا ما أخذنا بعين الإعتبار بأن شركاءها في الإئتلاف الحكومي يتعاملون معها كضرورة سياسية فرضتها نتائج الإنتخابات بقاعدة "لا حكومة بدون نهضة " ،مع السعي إلى هرسلتها حكوميا من خلال بعض تصريحات الوزراء و برلمانيا من خلال الإنخراط في حرب اللوائح ، فبعد إصطفاف كل من حركة الشعب و حركة تحيا تونس خلف الدستوري الحر في لائحة "إدانة التدخّل الأجنبي في ليبيا " ،أعربت النهضة عن إمتعاضها من موقف ممثّل التيار الديمقراطي في مكتب مجلس نواب الشعب الذي صوّت متذرعا بتعلات قانونية (اعتبرتها حركة النهضة واهية و غير مقنعة ) مع موقف الدستوري الحر الداعي إلى تمرير لائحة "تصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية " إلى جلسة برلمانية ،و إعتبار ذلك ضربا من الإبتزاز السياسي و تشتيتا لإنتباه الرأي العام عن ملف تضارب المصالح الذي يلاحق رئيس الحكومة ،نحو معارك إيديولوجية جديدة تحت قبة البرلمان ... تصريحات قيادات حركة النهضة الإعلامية و تدويناتهم في مواقع التواصل الإجتماعي تؤكد كذلك أن الودّ "الغائب " بطبعه قد انتهى بين الحزب و بين بقية مكونات الإئتلاف الحكومي و رئيسه و لا يقرؤ من ذلك إلا جدية القيادة النهضوية في فض الشراكة الحكومية التي أرهقتها، لا سيما أن توجهات الحزب تحبذ التحالف مع الأحزاب البراغماتية و هو أمر لا يتوفر في حركة الشعب إيديولوجية الهوى و لا التيار الديمقراطي الذي يسعى إلى التمايز عن حركة النهضة بأي شكل من الأشكال .

خيارات النهضة

اذا كانت ورقة شبهة تضارب المصالح ورقة جديدة إستفادت منها حركة النهضة لدعم موقفها أخلاقيا و سياسيا لفضّ الإرتباط مع هذه الحكومة، فإنّها أيضا ليست في وضع مريح يسمح لها بتوسيع هامش التحرك و إعلاء السقف بالنظر للوضعية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية الدقيقة التي تعيشها البلاد فحركة النهضة على الأرجح كما عودتنا بتجنب الدخول في المغامرات السياسية ، لا تسعى إلى إعادة المبادرة السياسية لها و تحمّل مسؤولية حكومة تعترضها تحديات إقتصادية و إجتماعية لم تعرفها البلاد منذ الإستقلال، و هو ما سيحول دون إنخراطها في لائحة سحب الثقة من رئيس الحكومة، الأمر الذي يجعلها أمام خيار أساسي وحيد و هو الإنسحاب من الإئتلاف الحاكم و سحب وزرائها الستّة ،ممّا سيجعل الفخفاخ أمام حتمية الإستقالة مع غياب الدعم السياسي من المكوّن الحزبي الاول في البلاد و غياب الدعم البرلماني (54 نائبا عن حركة النهضة) الضروري لتمرير مشاريع القوانين... و عليه إعادة الأمانة لرئاسة الجمهورية المحرج من فشل إختياره للشخصية "الأقدر " حيث ورطته بعض الأطراف في تلقيب هذه الحكومة بحكومة الرئيس مما سيجعله أكثر حذرا و مراعاة للتوازنات البرلمانية في حال عادت له المبادرة لإختيار "الأقدر" من جديد...


شنوة رأيك ؟

like
0
dislike
0
love
0
funny
0
angry
1
sad
0
wow
0