وفرة الإنتاج الفلاحي: حتّى لا تتحول "النعمة" إلى "نقمة"

وفرة الإنتاج الفلاحي:  حتّى لا تتحول "النعمة" إلى "نقمة"

- امنة اليفرني - 

 

يتداول نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي منذ أيّام مقاطع فيديو وصورا لآلاف القنطارات من صابة القمح والشعير لهذه السنة ملقاة على قارعة الطريق، تنتظر دورها للتخزين أو ربما لا تجد مكانا لها في مخازن الدولة.

هذا المشهد صار مألوفا في تونس في كل مرة تبلغ فيها صابة أحد المنتجات الفلاحية أرقاما قياسية، حيث تقف الدولة عاجزة عن التصرّف في المنتوج أو حتى تسهيل التصرّف للفلاح. وهو ما تؤكده تصريحات سمير الطيب وزير الفلاحة التي رافقت عملية الحصاد والتجميع، بأنّ الدولة ليس بإمكانها استيعاب الصابة القياسية للحبوب هذه السنة.

في المدرسة التونسية أول درس يتم شرحه للتلاميذ في مادة الجغرافيا أن تونس تقع في موقع جغرافي استراتيجي تمتد فيها الجبال والسهول والصحراء وتملك شريطا ساحليا طوله 1300 كم مربع، تعانق سماءها الشمس كما يفوق معدل كميات الأمطار التي سنويا 800 مم في المناطق الشمالية الخصبة، وتحتل الأراضي الزراعية 65 بالمائة من المساحة الجمليّة. وفي مادة التاريخ يتمّ دائما الإشارة إلى أنّ تونس هي مطمور روما في دلالة على خصوبة أراضيها ووفرة إنتاجها الفلاحي.

أول سؤال يتبادر للأذهان هنا، كيف لبلد يحتوي على كل هذه الثروات الطبيعية الحقيقية أن يعاني من مثل هذه المشاكل؟ لماذا تعجز الدولة عن وضع إستراتيجية واضحة في توفير الموارد والآليات لاستيعاب مثل هذه الفوائض في الإنتاج الفلاحي والزراعي؟ ألا يطرح تكرار مثل هذه المشاهد والصور كلّما تعلق الأمر بوفرة للمنتوج الفلاحي والزراعي التساؤل عن وجود شبهات تواطئ بين سلط الإشراف وهياكل الدولة مع لوبيات الفساد وعصابات الاستيراد والتصدير من أجل إتلاف هذه المحاصيل مقابل المحافظة على مصالحهم واتفاقاتهم الخارجية ؟

 

 

يعتبر القطاع الفلاحي قطاعا حيويا واستراتيجيا بالنسبة لأي دولة، فمعركة الأمن الغذائي وتأمين قوت الشعوب معركة حساسة ودقيقة ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تكون وليدة اللّحظة. تاريخيا واقتصاديا كان ولازال للقطاع الفلاحي الأولية لما يتمتع به من أهمية، ويساهم في تونس حسب آخر الإحصائيات بنسبة 8.15 بالمائة من الناتج الداخلي الخام ويشغّل 16.3 بالمائة من اليد العاملة التونسية.

وعلى الرغم من أهمية هذه الأرقام إلا أنها شهدت تراجعا كبيرا مقارنة بسنوات التسعينات إذ لم يستثن القطاع الفلاحي من الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها تونس، ويُرجعُ مختصون في المجال اسباب مشاكل القطاع الفلاحي إلى بدايات دولة الاستقلال وتحديدا الى سنة 1969 أي منذ نهاية تجربة التعاضد التي لاقت فشلا ذريعا، بالإضافة إلى التشتّت التدريجي للأراضي الفلاحيّة والذي انعكس سلبا على مردوديّة القطاع ونجاعته من حيث كلفة الإنتاج وفرص البيع والتصدير، وارتفاع نسب الأمية الفلاحية التي تقارب 46 بالمائة والتي تمثل عائقا كبيرا في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة وخلق التنافسية لمجاراة النسق العالمي، كذلك الى ارتفاع نسب التهرم التي بلغت 43 بالمائة من مجموع الفلاحين وعزوف الشباب عن ممارسة العمل الفلاحي لما تحمله المخيّلة الشعبية في تونس من نقص لصورة الفلاح، ذلك الكادح البسيط الذي يعدل ساعته مع موعد الشروق والغروب وارتباط النجاحات في الحياة باعتماد التعليم كرافعة اجتماعية، لكن المؤسف أن الفشل ارتبط بكلا الخيارين وهذه إحدى نقائص سياسات الدولة.

ومن سقطات الدولة أيضا أنّ سياساتها عملت على تعميق التميّيز التنموي بين الجهات بالتركيز على المدن والشريط الساحلي من خلال الاستمارات في القطاعين الخدماتي (السياحة أساسا) والصناعي، ممّا أدّى إلى هجرة المناطق الزراعية والداخلية وإهمال القطاع الفلاحي ساهم في ارتفاع نسب النزوح الريفي للبحث على "امتيازات ورفاهية " المدن.

ويعتبر النقص في اليد العاملة الفلاحية أهم المعضلات للفلاحة في تونس، ربما يعود ذلك لهشاشة العمل في القطاع وغياب التغطية الصحية والاجتماعية والحوادث المتكررة ومشاكل الرّي التي يعاني منها الفلاّح صيفا مقابل أرقام قياسيّة لمعدّل مياه الأمطار شتاء التي يتّم تصريفها في البحر نظرا لعجز السدود عن احتواء الفائض من كميات مياه الأمطار وغياب الصيانة وإنشاء سدود جديدة والبحيرات الجبلية.

بدوره أثّر الارتفاع المتتالي في أسعار الوقود على مردودية القطاع، فاستهلاك المحروقات يمثل 60 بالمائة من كلفة الإنتاج الزراعي وبهذا يجد الفلاح نفسه مجبرا على التّرفيع في الأسعار وتقليص هامش الربح مما انجرّ عنه ارتفاع ديون الفلاحين التي بلغت حسب ما صرح به الاتحاد العام التونسي للفلاحة والصيد البحري 200 مليون دينار تونسي.

اما الأراضي الدولية التي تمثل 65 بالمائة من الأراضي الزراعية فهي تعاني الإهمال رغم مطالبة الشباب بتمكينهم من هذه الأراضي لبعث مشاريع عليها إلا أن هذه المطالب تلاقي صدا وتلكّؤا من قبل الدولة، كما إنّ احدى سمات المشهد الفلاحي في تونس تفكك النسيج القطاعي الذي يتكون أساسا 80 بالمائة منه من صغار الفلاحين العاجزين عن مجابهة المنافسة القوية في السوق المحلية وعن تامين مسالك للتصدير للخارج فيكون الخيار التوجه نحو المسالك الغير قانونية من تهريب واحتكار وارتفاع في الأسعار.

إنّ النظرة الموضوعيّة تؤكّد غياب سياسة واضحة للحكومات المتعاقبة للولوج للأسواق الخارجية عن طريق الصناعات التحويلية الغذائية، حيث لا تتجاوز نسبة تصدير المنتجات الفلاحية الخام حوالي 10 بالمائة، وهي نسبة ضعيفة لا تمكّن من مجابهة التنافسية العالية وتحرم القطاع والبلاد من قيمة مضافة عالية جدا، حتى أن بعض الدول كايطاليا واسبانيا واليونان ينسبون البعض من منتجاتنا كالقوارص وزيت الزيتون والتمور لهم بعد توريدها خاما وتثمينها عن طريق التعليب والتصنيف.

 

إنّ معضلات وإشكالات عديدة ومتعددة ساهمت في بروز هذه الصور التي نراها اليوم، وما يزيد الصور غرابة أنّ الواضح في التصريحات الرسميّة غياب رؤية لإيجاد الحلول على المدى القريب أو المتوسط، وأنّ تونس التي تغرق في المديونية وتعاني من عجز الميزان التجاري وتقوم بتوريد أغلب حاجياتها بإمكانها بفضل مواردها الطبيعية فقط، بحسب الدراسات العلميّة المالية والاقتصادية ومقاربات الكثير من الخبراء والمختصين، التغلب على كل هذه الصعوبات واستنهاض طائر الفينيق من تحت الرماد، ويحصلُ ذلك دون شك باعادة الاعتبار للقطاع الفلاحي ووضع السياسات اللازمة لتثمين ما به من فرص للإنتاج والتحويل والتصدير والتشغيل.


شنوة رأيك ؟

like
3
dislike
0
love
4
funny
0
angry
0
sad
1
wow
0